14
Apr
2019
1

الاستبداد – ايقونوغرافيا الاستبداد: الإرهاب ١٣

الإرهاب ممارسة يقوم بها الفاعلون باستخدام العنف لأسباب سياسية. الأفعال تقوم بها الدولة في الغالب. ما يفعله الأفراد جزء صغير مما تفعله الدولة. لكن مصلحة الدول الغربية والشرقية والمتأخرة والمتقدمة هي في اعتبار أعمال الأفراد والجماعات إرهابية، والدولة غير ذلك. تنكر الدولة إرهابها وتنعت به الأفراد والجماعات. يتيح هذا الاستعمال للدول غموض مفهوم الاستبداد وعدم تحديده في ما يسمى القوانين الدولية؛ أو في قوانين الدول الداخلية.

تشنّ حرب عالمية على الإرهاب؛ ليس في الحقبة الأخيرة وحسب بل منذ عقود وحتى قرون من السنين. الإرهاب مخالف للقانون. إذن أعداء الدولة مخالفون للقانون. الدولة تتشكّل من طبقة تسلب وتسرق وتظلم وتسجن من يعاديها بغير حق، وخلافاً للقانون، وما على الناس أن يعترضوا. اعتراضهم إرهاب الى أن ينفجر الأمر وتغرق الميادين بالجماهير، فيسمّى الأمر ثورة. عندما تبدأ الثورة بأعداد قليلة يسهل إلصاق تهمة الإرهاب بالفاعلين. يختلف الأمر مع تحوّلها الى نهر دافق من الناس لا مردّ له إلا سقوط النظام أو استخدام الدولة للعنف والحرب الأهلية ضد الناس، وضد جماهير شعبها. ما من ثورة إلا وتبدأ سلمية، وتنادي بذلك وتمارسه، الى أن تأتي السلطة لتفرغ شاحنات السلاح وسط المتظاهرين، وتطلق النار عليهم، حتى يضطرّوا للرد بالسلاح الذي وجدوه بين أيديهم ولم يسعوا إليه. الإرهابيون من الناس يُصنعون، ويدفعون الى العنف؛ لا يشيع استخدام السلاح إلا عندما تكون السلطة هي محرّك ذلك.

في سورية مضت شهور طويلة والناس ينادون “سلميّة سلميّة”. قضى ملايين المتظاهرين عاماً ونصف في الشارع من دون فعل عنف واحد؛ يوجد في اليمن عدد هائل من السلاح من جميع الأنواع، وهي ملك الأفراد لا الدولة. في تونس وفي القاهرة عامي 2010-2011، سقط النظامان ولم يستخدم العنف إلا أجهزة الدولة. والآن في الجزائر والسودان يسقط الرئيسان من دون عنف. الشعارات سلميّة والسلطة تهدّد بالجيش والقوى الأمنية وتستخدم العنف والسلاح حين الحاجة. في ليبيا سلاح كثير، لكنه يحقّ لنا السؤال عن أهمية ولزوم سيارات رباعية الدفع من نوع لكسوس في أرتال المقاتلين. أما عن داعش وأخواتها، فقد عبروا البوادي بسيارات ودبابات في مختلف المراحل، والملفت أن كل الأجهزة الدولية على الأرض وفي الفضاء لم تلحظهم حتى وصولهم الى نقاط الوصول، آمنين لأداء المهمة.

من مصلحة كل طاغية أن يعادي الإرهاب، وينضمّ الى التحالفات الدولية التي تشنّ حرباً عالمية ضد الإرهاب. يظنّ الطاغية أنه بذلك يكسب شرعية دولية فقدها لدى شعبه. في عدائه للإرهاب يصير في صف الدول الكبرى والوسطى والإقليمية. كما أنه في عدائه للدين السياسي المتطرّف يصير في صفّ حداثة الدول التي تشنّ حرباً عالمية فيما بينها وضد شعوبنا العربية. يسعى الطاغية دائماً للتحالف مع هذه القوى.

من فوائد الإرهاب للقوى العالمية والبلطجية المحلية (وهؤلاء يمكنهم أن يكونوا عاملين في برنامج القوى العالمية من دون أن يعلموا ذلك) أن الإرهاب تهمة يمكن أن يدان بها أي شخص لا يروق للسادة، ويقتل في الميدان من دون محاكمة. الطائرات من دون طيار توجّه من أمكنة بعيدة، وقارّات أخرى، لقتل الإرهابيين عندما تحدد نقاط تواجدهم، ولا ضير إذا قتل معهم شيوخ ونساء وأطفال، فهذا من جملة الأضرار الجانبية. حتى إذا ضبط الإرهابي، نادراً ما نرى محاكمته. بعض مرتكبي الجرائم ضد الإنسانية يحاكمون لدى محكمة الجزاء الدولية ولا ندري مدى الاصطناع في الأمر. سجناء غوانتانامو ما زال معظمهم منذ 18 عاماً في السجن. نادراً ما رأينا محاكمة. بعضهم القليل أفرج عنه. الولايات المتحدة لا يخضع مواطنوها لهذه المحكمة، برفض من السلطة الأميركية التي ليست في عداد الدول المشاركة أصلاً في المحكمة.

عدم تحديد مفهوم الإرهاب، دولياً ومحلياً، يتيح مرونة كبرى لدى السلطات، حول العالم، في استخدام التعبير. المجرم البسيط، المجرم السياسي، الناشط السياسي الذي لا يعرف استخدام السلاح، كل هؤلاء وغيرهم معرّضون لاستخدام التهمة ضدهم، وللقتل من دون محاكمة. جميع القوانين في الدول الليبرالية وغيرها من دول الطغيان، تزعم حسب قوانينها أنّ المدان بريء حتى تثبت التهمة، إلا فيما يتعلّق بالإرهاب.

معظم من في المراكز العليا في السلطة حول العالم استخدموا الإرهاب عندما كانوا في المعارضة. اسرائيل قامت وتأسّست على الإرهاب. مناحيم بيغن أدانته بريطانيا بالإرهاب أيام الانتداب البريطاني.

الأهمية الكبرى لاستخدام مفهوم “الإرهاب” واتباعه بإجراءات القتل والسجن والتعذيب هي أنّ ذلك يساهم في إلغاء السياسة بالإضافة الى تجاوز القانون عند أية دولة من الدول. الحوار، أي السياسة، مع الإرهابيين ممنوع. قتلهم مطلوب. ما من طاغية اعتلى المنبر متحدثاً عن المتظاهرين المطالبين بحقوقهم، وأهمها لقمة العيش، إلا واتّهم هؤلاء بالإرهاب.

من أسس الاستبداد أن الطاغية يمتنع عن السياسة ويمنعها على شعبه. تمضي السنون، فيظنّ هو أن الشعب استكان. ثم فجأة، تنفجر انتفاضة أو ثورة. يتفاجأ الطاغية. يدرك أنه فاقد الشرعية. يستدعي الدعم الخارجي. يفقد السيادة. يستسهل اتهام خصومه بالإرهاب. ما يُسمّى المجتمع الدولي ليس غبياً. يعرف من يدعم من الطغاة ومن لا يدعم. ويمكن أن يسحب الدعم في أية لحظة. فهل اختفى الإرهاب؟ مرونة استخدام التهمة مفيدة. لكنها تصبّ دائماً في مصلحة الطغاة. يفتعلون ما يشاؤون. يخرجون فيلماً عن شعبهم “الإرهابي” من أجل الرأي العام العالمي.

ألغاء السياسة جزء من “سياسات”، بالأحرى إجراءات، النيوليبرالية حول العالم. إلغاء السياسة هو في جوهر النظام العالمي. ايديولوجيات تلعب دوراً أكبر وأهم من الدول. تُجبر الدول على تنفيذ سياسات تقشفية، بالأحرى سياسات تؤدّي الى زيادة الدين العام، ونضوب الموارد، وحرمان الطبقات الفقيرة، وإفقار من لا يزال به رمق. يصبح القادة، برسم الطغيان، منفّذين لسياسات دولية تقشفية. يحتجّ الناس ضد ذلك. الاحتجاجات إذا انفجرت تحوّلها السلطات الى أعمال إرهابية. يصير الفقراء المحتجون أو الثائرون أعداء للمجتمع الدولي ولما يُسمّى الشرعية الدولية. لا يكتسب المجتمع الدولي شرعيته من الخدمات التي يقدّمها للطبقات الفقيرة حول العالم. بل يكتسبها من النيوليبرالية وسياسات الخصخصة. وباختصار، سياسات الإفقار. الحرب على الإرهاب هي للتعمية والتمويه.

التذاكي في استخدام تعبير الإرهاب، وفي استخدام العنف الإرهابي، لدى طغاة بلادنا، والتذاكي في استخدام جماعات تبدو معادية وهي تعمل بالفعل لدى السلطات، كل ذلك ساهم في تعميم الإنطباع عن مجتمعاتنا بأنها يسود فيها التطرّف الديني السياسي، وانها مصدر للإرهاب العالمي. كأنّ ذلك حرب إبادة للتراث السلمي لهذه الشعوب. لا يخلو مجتمع من العنف. لكن أن يوصم المجتمع بكامله بالعنف والإرهاب فهذا أمر آخر. يقول البعض انها حرب إبادة ثقافية. لا ندري. لكن الحرب العالمية (ضد الإرهاب) في منطقتنا هي حرب على منطقتنا. ولتكن تسميتها بحرب إبادة ثقافية إن لم تكن حرب إبادة مادية (قتل الناس).

المهم أن مطالب الجموع في بلادنا لا يؤبه لها. يحدّثوننا عن الصراع العربي-الإسرائيلي. تبدو إسرائيل المجتمع الديمقراطي الوحيد في المنطقة. الديمقراطية لقب يتيح لإسرائيل أن تفعل ما تريد في فلسطين (والعرب) من قضم الأرض، الى سرقة الموارد، الى السجن والتعذيب، الخ… لكن مطالب العرب، ماهية العرب، عروبة العرب، إفقار العرب، سرقة مواردهم وأرضهم، كل ذلك ليس موضع اهتمام الجماعة الدولية. يريدون الاستقرار لدى العرب بأي ثمن. وهم يعرفون، أو لا يعرفون، والأمر سيان، ان كل ذلك يكون على حساب العرب. ما داموا مهزومين وضعفاء، فلا لزوم للاهتمام بأمرهم. حتى في نشرات الأخبارعلى الفضائيات تحتل انتخابات إسرائيل حيّزاً يفوق الإهتمام بما يجري في الجزائر والسودان، ناهيك عن ليبيا وبقية المنطقة العربية.

أخيراً سقط الرئيسان في الجزائر والسودان. كان المطلوب أن يسقط النظام في كل منهما. استلام العسكر للسلطة وللنظام هو المرجّح. يُقال أن لا مؤسسات لانتقال السلطة بسلاسة. طاغية يسقط ويأتي مكانه طاغية آخر. كنا منذ نصف قرن نفرح للانقلابات العسكرية، ونعتبرها ثورات. الآن يسقط الرؤساء بتظاهرات شعبية، ولا نفرح. نخاف من الآتي. مكتوب لأمّتنا ألاّ تفرح. هل سيكون الاستبداد قدرنا لأمد طويل؟

Leave a Reply