9
Apr
2019
1

الاستبداد – ايقونوغرافيا الطاغية ١٢

في بلادنا العربية، ما أن يصير المرء رئيساً حتى ينشد الأبدية ولو أصبح طيفاً روحياً لا وجود مادياً له. يعقد صلحاً، أو اتفاقاً، مع المتسامي الإلهي. يتشبّه به، إذ يشترك معه في صفة القدسية. يحتاج مثله الى أيقونات. مهمة الأيقونة أن تكون شيئاً يحمله المؤمن وتكون دلالتها أن المومأ إليه يحمل القدسية في ذاته. للمقدس احترام كامل لدى المؤمنين به؛ هو متسام فعلاً، لا علاقة له بالطبيعة. يبتهل الناس إليه في الأحوال الصعبة كي يتدخل في الطبيعة ويغير بعض أثارها الجائرة. الطاغية المقدّس لا أمل يُرجى منه. يكرهه التابعون له. يرضخون له. الروح القدس التي تحيط به ليست الايمان (الطوعي في غالب الأحيان) بل الخضوع القسري في كل الأحيان. أيقونة الدين القديم تستجير بالمقدس المتسامي الإلهي. أيقونة نظام الطاغية، المدّعي الأبدية، تستجير بالحاشية. وهي حاشية تعيش حول المتسامي ويمرّ عبرها الى المجتمع. لا يُستفاد منه إلا اكتساب الكره والحقد من شعب أصبح يرفض هذا المقدس المفتعل البعيد عن الدين القديم، الدين المألوف الموروث الذي وُضِعَ قيد التطبيق عبر مئات بل ألاف السنين. الدين الجديد مُبتدع، حديث النعمة، لكنه أقسى وأكثر إيغالا في التعذيب.

يخترع الطاغية العربي (في كل البلدان العربية تقريباً) ديناً جديداً قوامه عبادة الفرد. يعقد حلفاً مع الدين القديم. القديم عماده الطوعية والحب. الجديد عماده الحقد والكره. لكنهما يشتركان في التسامي والقدسية. التسامي أن الله القديم أو الجديد فوق كل اعتبار، فوق كل محاسبة، مصدر القانون. وفي النهاية مصدر الشعب. هو الموجود بذاته ولذاته. الأيقونة دالّ لدى العامة على التبعية. التبعية في الدين القديم جزء منه، جزء طبيعي ومتوقع. التبعية في الدين الجديد مفتعلة مفروضة بالقوة والقسر والإكراه. الأيقونة في كل منهما أشياء رمزية. هي عند المؤمن التقليدي صورة توضع على الجسد. وهي في الدين الجديد تمثال أو نصب. الى الأيقونة هناك طقوس يمارسها المؤمنون في هياكل العبادة. يمارسها التابعون في مهرجانات العبادة. كل منهم يعتقد أن مقدسه لا يُمسّ، وإذا وجهت إليه نقداً فإنك تهين الدين المعتمد أو الوطن والدولة والشعور القومي. طقوس دين الطاغية المبتدع أقسى. لا يراقبها كهنة يفتقرون الى أجهزة القمع، بل يراقبها أجهزة المخابرات والبيروقراطية.

عبادة الفرد في دين الطاغية تتشبّه بالدين الموروث. الطاغية موجود بذاته ولذاته. هو المتسامي والمتعالي، المحتقر للناس. لا يقرّ بوجودهم إلا كي يخضعوا لحكمه. بإدعائه الأبدية في بلد عربي ما، أو الشبحية في بلد آخر، يدعي القدسية، يضع نفسه فوق المحاسبة. هو مخترع القانون والدستور. هو الحاكم بأمره. عشوائية قراراته، عشوائية حكمه تدمّر المجتمع. الأمر سيان. سوف يستقيم أمر المجتمع، بنظره وبنظر حاشيته، عندما يستتبّ له الأمر في المستقبل. لا يعدّ شيئاً بخصوص الراهن سوى الحرب الأهلية. نصيب الناس في الجنة. صكوك غفران كما في قرون سحيقة. لا يعرف الطاغية أن التاريخ قد تجاوزه. لا يهمه ذلك. هو يخلق تاريخاً جديداً. يعتقد أنه عن طريق حلفه (أو تقليده) مع الله أو من ينوب عنه في الأرض يخلق مجتمعاً جديداً. لا همّ إن كان نصف الشعب مهاجرا أو نازحا أو لاجئا. قواه المتسامية تستطيع الإتيان بغيرهم. هم أعداد وحسب. فليناقش المجتمع الدولي الأمر. ما سيحدث هو ما سوف يقرره الطاغية. هو طاغية يحتاج الى شعب ولا بد أن يأتي الشعب من مكان ما. هذا هو عصر الهجرة والإرهاب. أهل الإرهاب غير مرغوب ببقائهم. لا مانع من أهل الهجرة شرط أن لا يعترضوا إرهاباً.

كونه متسامياً، يعلو الطاغية ولا يُعلى عليه. يُدلّ عليه ولا يَدُلْ على أحد. الأيقونات تشير إليه. هو موضع الاهتمام. هو المرجع الأعلى للخضوع. جميع تراتبيات (طبقات) المجتمع تخضع له وتمنحه قدسية ما كان ممكناً أن يكتسبها لو بقي بشرياً عادياً. هو بحاجة لأن يصبح فوق العادة. لأن يصبح استثنائياً مميزاً عبقرياً حاملاً من القدرات العجائبية (العبقرية) التي لا يتمتّع بها غيره. هو الضرورة التاريخية. من دونه يتهاوى المجتمع ويضيع الناس. هو ما يحفظ سوية المجتمع. أن تكون في بلده حرب أهلية فذاك سببه غيره من العملاء، والخونة، أو المُغرّر بهم. هو خط الاستقامة، غيره خط الاعوجاج اللاطبيعي. لا يعرف المسكين أن ليس في الطبيعة خطوط مستقيمة، وأنّ ما يبدو كذلك وهم. يعيش على الأوهام، لكنه يقرر المصائر. لا يكون القرار حول مسار الأمور صادراً عنه. بل هو نتيجة جيوش عديدة عالمية واقليمية ومحلية على أرضه. يتشبث بالسيادة. والسيادة ليست مجرّد تحكم وتسلّط، وليست تعبيرا عن موقف حيال القوى الخارجية. السيادة تعبير عن سلطة كاملة عشوائية في تملّك رقاب العباد وأموالهم وأملاكهم. يقصد الطاغية السيادة الكاملة على مجتمعه. هو يملك المجتمع وكل ما لديه. هو مصدر وجود المجتمع. هو طريق مستقبله. ضرورة يفرضها التاريخ بنظره. هو يستعمل الكثير من الإشارات التاريخية. لكن الضرورة ما صارت كذلك إلا بموازين القوى التي قررها وجود جيوش أجنبية على أرض الوطن.

التماثيل للرهبة، المنشورات للتوعية، الصور للدلالة. كل تلك أيقونات سلطة طاغية. الحاشية من أجهزة الأمن والبيروقراطية مؤتمنة على مراقبة الناس  كي يخشعوا للأيقونات ويمروا عبر الطقوس ويعلنوا الخضوع التام برفع قبضات الأيدي. عندما ترتفع القبضات بإعلان الخضوع، وترتفع الأصوات بشعارات الأبدية، يوقن الطاغية أنه أصابه الحال، حال المطلق. ليس اندماج المريد بالله على الطريقة الصوفية. ليست من تحت الى فوق بل المطلق يلقي سيطرته من فوق الى تحت. يعلن ضرورة ذلك على أنه الحداثة في وجه ظلامية الدين التقليدي، علماً أنه في حلف معه. الأكثر من ذلك، يتساءل المراقبون، هل كان التطرّف الديني ممكناً لولا الاستبداد؟ وهل ان الفرق المتطرفة سوى خريجي السجون، أي خريجي المدارس التي تجنّدوا فيها وتعلموا فنون التطرّف؟

الطاغية فاقد الأهلية النفسية والروحية في بلد عربي ترشّح لعهدة خامسة وسحب ترشيحه بتأثير من المظاهرات الشعبية. اعتقد أن الروح القدس تحميه. ما هذه القدسية غير “عصابة” من الحاشية التي تعيش على الفساد وتتربّح من خيرات الدولة على حساب الفقراء والمعدمين. الروح القدس تحمي آخرين من حكام العرب. تحمي الطاغية من القلق على مصيره. الشعب حاملو أيقونات الخضوع وممارسو طقوس الولاء وأجهزة الأمن تراقب ذلك بدقة. صادر الزمان وصادر المكان. الأبدية له والوطن له. ما عليه إلا أن يحكم وما على الناس إلا أن يخضعوا. قدسيته لا يطالها أحد. ما على الناس إلا أن يتضرّعوا خضوعاً بل يأساً. حكم الضرورة وقع عليهم. هو حر في عشوائيته. كل حكم عشوائي معناه استعلاء الحاكم على القانون وعلى الدستور. هو صانع الشعب والقانون والدستور. نتيجة ذلك خراب ودمار للأرواح والأملاك. فليكن.

القدسية قدر تاريخي. الأيقونات ضرورات السلطة من فوق والخضوع من تحت. العمران هو مهمة كل حكم سوي. السوية تلاشت أمام القدسية. المقدس يحق له ما لا يحق لغيره. الإعمار صكوك غفران. وعود تزداد بعداً عن التحقق، وما زالت الحرب الأهلية مشتعلة. لا يعرف الطاغية كيف يحوّل الأيقونات الاجبارية الى طوعية. لن يحدث ذلك إلا برضى الشعب الذي يمنح الشرعية للحكام (كل حاكم على وجه الأرض).

صرنا نخاف موجات الاحتجاج والثورة والدعوات الى إسقاط النظام. نخاف مما يليها. قال الشاعر:

إذا رأيت الموج يسفل بعضه…..ألفيت تاليه طغى وتجبرا

ينقطع التواصل بين الطاغية والمجتمع. يستخدم التماثيل ومختلف الأيقونات كي تحلّ مكانه حين لا يكون موجوداً. يريد أن تحلّ الرهبة والخشوع لدى الناس في كل لحظة وكل مكان. يعرف أن الضغط يجب أن يكون متواصلاً، حتى في المنام. هي رهبة من نوع لا يترك للناس مجالاً للحوار والنقاش، ناهيك بالاعتراض. من أصول السيطرة أن تمنع على الناس كل إمكانات التحرر. ومن أصول السيطرة أن تتحوّل الى سيادة تامة على المجتمع تؤدي الى إعادة هندسته إذا لزم الأمر.

أيقونات الرهبة في كل مكان. أهمها السلاح بيد البلطجية والشبيحة. السلاح أيقونة أخرى لزرع الخوف وتأكيد استسلام الناس. في لحظة من اللحظات يحلّ السلاح مكان جميع الأيقونات الأخرى. تتحوّل جميع الاحتمالات الى حرب (أو حروب) أهلية. تحل أيقونات السلاح مكان جميع الأيقونات الأخرى، أو تكمل وظيفتها. لا شيء يزرع الخوف والرهبة قدر قدوم عدد من الأمنيين حاملين السلاح لسبب أو من دون سبب. الاستبداد من طرف الطاغية يلزمه خوف من جهة الرعايا. في الحرب الأهلية يتحوّل السلاح من أيقونة الى أداة قتال. لا يتورّع الطاغية عن استخدام السلاح. الحفاظ على السلطة أهم من أي اعتبار آخر.

Leave a Reply