20
Feb
2019
0

الاستبداد – تدمير المجتمع في عصر الاستبداد ٣

السلطة مجال الاستبداد. المجتمع مجال الحرية. يتحوّل الناس من رعايا الى مواطنين. نظام الاستبداد عدو للمجتمع، وليس ممثلا له. العدو من يفرض إرادته على المجتمع ويلغي إرادة المجتمع.

ورثت أنظمة التحرر الوطني نظام الاستعمار. مارست قمعاً أشد وأدهى. أعلنت التعبئة العامة؛ حالة الطوارئ أو ما يشبه الطوارئ. قيّدت حرية الناس باسم النضال ضد مؤمرات خارجية وباسم العمل من أجل التنمية. بالنهاية فقدنا نحن العرب السيادة والتنمية. انتهينا الى أن يصير العرب في مؤخرة العالم على سلم التنمية، وفي مؤخرة العالم على صعيد الحريات. فهل أصبحنا مزبلة التاريخ؟ سؤال مؤلم، الإجابة عليه مؤلمة.

عرف المجتمع في بداية عهود الاستقلال تضامناً غير مسبوق. أفرغت أنظمة الاستبداد الدولة الاستقلالية من مضمونها؛ مضمون التعاون والحرية والتضامن من أجل الخير العام. أصبح الخير العام حصراً على الطاغية وحاشيته. استعملت الدولة كسلطة للقمع والتعذيب. أفرغت من مضمونها كدولة. لم تعد مزروعة في ضمير كل منا. صارت أكثرية الناس في مكان معاد للسلطة. صار كل فرد مشبوهاً. وصار معرضاً للسجن حتى ان حلم حلماً سياسياً يتنافى مع السلطة ولم يبلغ عنه. على المواطن في نظام الاستبداد أن يعرف واجبه تجاهها، ويبلغ قوى الأمن عن كل همسة تنم بالمعارضة. حتى ولو كانت جزءاً من حلم “روبص” صاحبه فجاءته في النوم أفكار لا يحق له الحلم بها في اليقظة.

من معالم تدمير المجتمع أن يصير كل فرد مداناً أمام نفسه وأمام أجهزة السلطة. في المقابل تنمو وتتزايد علاقات التعاون السرية في سبيل الاحتماء من جور السلطان. كل ما هو سري يثير الشك لدى أهل السلطة.

تدمير المجتمع هو تدمير العلاقات السوية بين الناس. تدمير الأفراد كأسوياء، وتدمير العلاقات فيما بينهم. يتحوّل الأفراد الى انفصام في الشخصية. على كل منهم أن يتحدث في المجال العام بما لا يضمره، وأن يضمر ما لا يتناسب مع السلطة. علاقة الفرد هي دوماً مع السلطة،  وهذه تعتبره مشبوهاً مهما حدث. وإذا حدث شيء مثل الحلم المذكور، يكون مصيره السجن والتعذيب.

تدمير التاريخ جزء من عمل الطاغية، عن قصد أو غير قصد. تتفكفك الروابط الاجتماعية في وقت يصير ارتباط الفرد هو مع السلطة وحدها. وهي التي تهدّده دائماً. يفقد الواحد ارتباطه مع ضميره ومع نفسه، كما يفقد ارتباطه مع الآخرين من زملائه وأقاربه. فرد من هذا النوع لا يتشكّل منه مجتمع. أي مجتمع يعود الى الروابط الأولية والعائلية والعشائرية. لكن الأرجح أنه يتجاوز كل ذلك الى زمن جديد، مبني على القديم، لكنه مغاير تماماً. دين متصلّب بمقدار عنف الطاغية. دين جديد لا يصلح إلا للقتل والتدمير. فيه الكثير من السخرية والمراوغة والكذب  والخضوع للرغبات والحقد على الثقافة والمثقفين واحترام العلماء الجهلة. حتى هؤلاء يوضعون تحت مراقبة دائمة. أرباب سلطة الدين المتوحّش لا تريد نشازاً؛ هي مثل حكم الطاغية، تحصي أنفاس الفرد وتضبط كل حركاته وأقواله.

حداثة الطاغية تصنّف نفسها بالتقدمية. حداثة الدين ليست مضطرة لوصف نفسها بشيء سوى اتّباع الدين الحنيف، كما تراه وتفسره هي. الدين الجديد يكره بالطبع الحداثة. ولديه تفسير حرفي منحرف واجرامي للنص. وممارسات اجرامية للعلاقات الاجتماعية. كما دمّر الطاغية الليبرالية التي كانت وجيزة العمر، يقوم الدين الوحشي بتدمير المجتمع بكل تراثه وتاريخه. يحيل التاريخ تراثاً، ويغيره حسب رغباته، ويتبناه بعد أن يزوّره. يحمل الدين في الأصل هذه القابلية. على الرغم من أن الممارسات القديمة (الكلاسيكية) خضعت للكثير من التجميل، إلا أن التفسير الجديد للدين لا يخضع إلا لمعيار واحد هو النظر الى الحقيقة من جانب واحد. وتغليب العنف على التسوية، وإلغاء السياسة والحوار، وافتراض الكفر  والزندقة لدى الآخرين من أتباع الدين ذاته. حوّلوه من دين قابل للعلم الحديث الى منكر له، أي صورة أخرى عن الطاغية. يجيد استخدام التكنولوجيا ويجهل العلم الحديث، كما يجيد بعض الحديث النبوي، ويتقيّد، أو يدعي ذلك، به حرفياً. يجهل الدين ويتقيّد ببعض الممارسات.

يؤدي الاستبداد السياسي الى انغلاق المجتمع، ويهدف إليه. عندما ينغلق المجتمع لا يبقى إلا أن يعلن عن نفسه من خلال مظاهر خارجية، كريشة من لباس الرأس، أو طاووس حجاب يغطي الرأس. في الحالتين يجب تغطية الرأس، لأن الدماغ فقد وظيفته، أمام تغطية بقية الجسد. فهو عمل قامت به البورجوازية والرأسمالية والاقطاع من قبل. غطاء العقل، غطاء الرأس، انعدام التفكير؛ كل ما يجود به العقل محاط بطبقة من الرطوبة في بلدان حارة لا ينتج فيها الجسد إلا العرق.

المجتمع هو مجموعة من العلاقات المتراتبة، الأفقية،العمودي والمتداخلة، يعتمد فيها الإنسان على الصلات من جميع الأنواع: المادية، المصلحية، النفسية، الدينية، الإثنية، القومية، القرابية، الخ… كل إنسان متعدد. كل إنسان يمارس هذه العلاقات أو بعضها. تتطوّر هذه العلاقات، لكنها تبقى ضمن إطار ما يفهمه الإنسان ويدركه كي يستطيع الممارسة. يمارس الإنسان علاقاته الاجتماعية تلقائياً في الغالب. وعن قصد مرات كثيرة. يخطط لعلاقاته أولاً. ينوي أو لا ينوي. لكنه حيوان اجتماعي ناطق. لا يستطيع العيش وحده. يرى في العيش وحشة. الوحشة لا تطاق. هناك الكثير من الشعر عن الوحشة.  لا وحشة عند العرب أكبر من أن يأتي الرجل أو المرأة الى الديار ولا يجد أحداً، أو يرى الديار خربة. أن تكون الديار عامرة، أن تكون مسكونة بالناس يعني أن فيها علاقات. الإنسان يسكن هذه العلاقات. ما اللغة إلا من أجل هذه العلاقات. اللغة فوق العلاقات جميعها. هي السوبر علاقة. كتب الإنسان كي يثبت علاقاته. كيلا تبقى شفهية مهزوزة تتغيّر عند كل رواية. تتعدد هويات الإنسان بتعدد علاقاته. اللغة واحدة منها. تتطوّر اللغة كيلا تتجمد العلاقات. عندما تتجمد تذوي، وربما تزول. الاستبداد يجمّد اللغة. يحوّلها الى يباس. كي تتجدد اللغة يجب أن تنبع من الضمير الفردي، وتتجاوب معه. اللغة أيضاً تتطوّر وتتجدد بتطوّر الأجيال وتلاحقها. التطوّر فيها داخلي. تمليه حياة الناس المعاشة. قواعد اللغة (وهي علاقة العلاقات) وُضعت لا لتثبيتها بل لتأكيد تطورها، ولايجاد أساس لهذا التطوّر.

اللغة نطق. تعبير عما في النفس. عندما يصادر الطاغية اللغة، فهو يصادر قدرة الإنسان على التعبير. ويصادر بالإضافة الى ذلك الفن والأدب والقدرة على الإبداع. ينظم الطاغية مهرجانات أو مسيرات كي يقول هو ما يريد، وكي لا يقول الناس شيئاً. قمع اللغة ليس فقط قمع الرأي بل هو تدمير العلاقات التي تنطق اللغة باسمها، ومن أجلها، ولها.

لا يستطيع الطاغية أن يقول للمجتمع لا تفكّر، أو لا تفكّر ولا تنطق إلا بما أريده منك. يصادر إرادته عن طريق مصادرة لغته وخطابه العفوي. يقتل الحيوية فيما لا يمكن العيش من دون حيوية متواصلة. يريد السيطرة على الحياة حتى يصل الى عيش حيواني فاقد اللغة الحية. لا يزدهر الشعر والفن والبحث العلمي في زمن الاستبداد. يتحوّل المجتمع الى هيكل يابس الأغصان والجذور. لا يخاف الطاغية من شيء قدر ما يخاف من الكلام الذي ينطق به شعبه إذا ترك على سجيته. رقابة المطبوعات ركن أساسي من أركان الاستبداد. يتمنّى الطاغية أن ينفذ الى دماغ الناس. هذا الأمر يبقى عصيّاً عليه وعلى جميع العلماء والمخابرات. يعيش الطاغية حياة عذاب دائم لأنه لا يعرف ولا يمكن أن يعرف ما يجول في خاطر الناس.

عبقرية الناس هي في ازدواجية الكلام، قولاً ومعنى. يضطر الواحد منهم أن يضمر شيئاً ويقول شيئاً آخر. يعرف الطاغية ذلك من أجهزة الأمن والمخابرات. يريدون معرفة ما في الضمير. وهذا يبقى خافياً عليهم. كم مرة رأينا أديباً أو مفكراً يُضطهد بسبب قوله كلاماً لا نعتبره خطراً على السلطة. لكن السلطة تعرف أن الكلام يجرّ الى كلام، وصولاً الى الميدان.

في الميدان يقول الناس كل شيء. يسقط الطاغية. الطغاة كثيرون في بلدان الوطن العربي. يرون الواحد منهم يسقط في بلد ما فيجتمعون لمعالجة الأمر. وتبدأ الثورة المضادة. ثورة الطغاة ضد شعوبهم كي يبقى هؤلاء تحت السقف. سقف الكلام والتفكير المرسوم لهم. لا بدّ أن يتفرّق الناس بعد الميدان، ويعودوا الى أشغالهم. لا يستطيعون لأسباب معيشية البقاء في الميدان أكثر من وقت محدد. ثورتهم ليست دائمة. ثورة الطغاة (الثورة المضادة) هي الدائمة لما لديها من وسائل. تمارس الثورة المضادة كل أنواع القمع والتعذيب والسجن. هي في حالة ذعر. تريد منع ما لا يمكن أن يُمنع. تريد المستحيل. المستحيل لا يمكن أن يبقى، رغم الثورة المضادة، إلا لوقت محدد، مع الكثير من القتل والدمار.

نقيض الاستبداد هو السياسة. المجتمع المفتوح حيث الكلام والتفكير والممارسة لا قيود عليها إلا القانون. عبقرية المجتمع المفتوح هي أن الانسان يتكلم لغة واحدة تعبّر عن الضمير. الضمير عقبة كأداء لا تنقسم ولا تتجزّأ ولا يمكن لغير صاحبها الوصول إليها. بلد واحد في العالم لم يتمكن منه الاستبداد في تاريخه، ذلك لأنه مجتمع مفتوح. يخاطبون الرئيس وكأنه نكرة. يحاكمونه أيضاً. قانون واحد للجميع. في الاستبداد الرئيس فوق القانون. هو من يضع القانون. ويتحكم برقاب العباد. لا يعرف الطاغية أنه عندما يدمّر مجتمعه فإنه يدمر القاعدة التي يستند عليها. أزمة الطاغية أنه يريد الحكم حتى ولو اضمحلّ الشعب. فماذا يحكم. حتى لو بقي الشعب مكانه فإن الطاغية يحكم شعباً تلاشى، تلاشت مقوماته، تلاشت علاقاته، إذ لا تبقى  إلا علاقة واحدة هي بين الفرد والسلطة. لا علاقة مع الآخرين بل مع السلطة. علاقة ذات بعد واحد في مجتمع ذي بعد واحد. نتذكر التعبير لهيربرت ماركوز من الستينات. لكن ذلك لم يتحقق إلا في بلادنا. بمقدار ما يكون المجتمع عتيقاً تكون العلاقات فيه أكثر تعقيداً وتعدداً وتنوّعاً، لكن الطاغية يلغي التعدد، ويحاصر المجتمع، ويحوّل تعدديته الى واحدية.

الانسان في مجتمع الاستبداد مكسور الجوانح. مكسور في داخله. مأزوم في روحه. الهزيمة في فلسطين تعبير عن هذه الهزيمة الداخلية في النفس البشرية. تدوم الهزيمة في فلسطين مع تأبيد الهزيمة في ضمير وفي نفس وفي روح كل عربي أو كل من يعتبر نفسه عربياً. يصرخ العبد: إلهي، إلهي لماذا تركتني. أستعيض بالطاغية عن الإله. المهم لدى الطاغية أن يبقى الناس عبيداً. في انفصام كل منهم عبودية. عبيد في أرضهم وعبيد في الترحال: مهاجرون، نازحون، لاجئون. حتى  البكاء على الأطلال محرومون منه. جاء مع الشعر العربي القديم البكاء على الأطلال. لكن قيل إن العربي لديه أهمية للعرض أكثر من الأرض. إذن كيف يفسرون البكاء على الأطلال؟

تفتيت العلاقات داخل المجتمع، ومصادرة الخطاب وحصره بالسلطة، جعل العلاقة بين الفرد والسلطة وحيدة معزولة عن العلاقة بالآخرين. انغلاق المجتمع يتبعه انغلاق الفرد. يباس الفكر والإبداع. انفصام في الشخصية، شخصية الفرد والجماعة. انفصال تام بين السلطة والمجتمع . يمكن للمجتمع أن يبقى في أرضه أو يصبح مهجراً نازحاً لاجئاً. ليس المهم أن يبقى المجتمع لأنه ليس المهم أن تمثّل السلطة هذا المجتمع. يستطيع المجتمع أن يخرج. لا يخرج النظام. يبقى النظام بحكم التدخلات الأجنبية من عربية وغير عربية. المجتمع خارج النظام سواء بقي كله أو بعضه في البلد جغرافياً. محكوم عليه بالاندثار. إما أن يكون على صورة النظام أو لا يكون. وما خلقناكم إلا لتعبدون. وما خلقناكم إلا لتخضعوا للنظام. كل ذلك يعني أن النظام نجح في إلغاء المجتمع ودوره. حتى لو بقي المجتمع كأفراد. إلا أن هؤلاء لا يشكلون مجتمعاً بعد فقدان كل الروابط التي تجعل منهم مجتمعاً.

انتصرت الثورة المضادة على صعيد الوطن العربي كله. بقي النظام. يتحدثون عن إعادة الإعمار، وهذا في حقيقته إعادة هندسة المجتمع. المشروع القديم-الجديد اياه: لا يبقى المجتمع إلا إذا أصبح على صورة النظام. متى حصل ذلك يبقى المجتمع. إذا لم يحصل ذلك فمصيره الى الجحيم. الله خلق جحيماً في السماء. النظام يخلق جحيماً على الأرض. أليس كل سكان المخيمات في البلدان المحيطة والبعيدة واقعاً لهذا الجحيم. هذا ما يحصل عندما يكره النظام شعبه.

Leave a Reply