8
Feb
2019
1

الاستبداد – طبيعة الاستبداد

طبيعة الاستبداد واحدة في كل العالم. يصادر الطاغية المستبد مجتمعه، يفرغه من وعيه وروحه وعقله. يتركه أشلاء توحي بإنسانية، بينما هذه الإنسانية مسلوخة محطّمة مدمّرة. يحوّل الطاغية المجتمع الى هيكل فارغ. هو لا يحتاج للناس أصلاً، يحتاج إليهم كي يحكمهم حتى لو تضاءل عددهم أو تلاشى. مسكين الطاغية. لا يستطيع أن يسير في الشارع وحده. يحتاج الى حراسة دائمة. يخال المرء أنها حراسة من الناس الذين يهددونه. هو مهدد باستمرار. لكن أكثر ما يهدده هو ما تبقى لديه من ضمير أو أخلاق أو حس بالمأساة الإنسانية التي ارتكبها. يدرك عندما يسير في الشارع أن الخطر الحقيقي ليس الناس بل هونفسه. وجوده يهدد المجتمع بشكل دائم.

الاستبداد بمثابة دين جديد. شريحة فوق الدين القديم. القديم له مخالب طويلة قاسية، وأنياب أشد هولاً. يتضاءل الطفل الجديد أمامه. يبتلع القديم الجديد أو يسيطر عليه. يعتبر الاستبداد أنه أعاد “خلق الشعب”، أعاد خلق البشرية، ولا يدري (من شدة الغباء؛ والاستبداد غباء تام ومطلق) أن الدين القديم استوعبه. فلا مفر من التحالف معه. يدّعي الحداثة للخروج من المأزق. تضعه الحداثة في سلة واحدة مع العقلانية، والعقلانية مع البراغماتية، والبراغماتية مع النفعية. ينتهي الدين الجديد (الاستبداد) الى كونه نوعاً من المرتزقة عند الدين القديم. لا يحترم شعبه لكنه يصغي بضمير محكم الإنغلاق لما هو أعلى من الشعب. ينحني أمام ما هو فوق الإنسان. هو أساساً فاقد الإنسانية، فلا حرج إذا تحالف مع من يحتقرها.

يفرح الاستبداد دائماً بالمجتمع المجوّف، المفرّغ من داخله؛ لا أحد يسأل. ولا أحد يسائل. تنتقل مسؤولية الاستبداد من الطاغية الى المجتمع. يصير الناس هم المسؤولون. يحتاج الناس الى ردع، والى أمن واستقرار؛ هذا الأمر لا يتحقق إذا ترك الناس على “طبيعتهم”. يحتاج الناس الى تغيير طبيعتهم. هم يطلبون ذلك. غريزة الأمن والاستقرار أقوى من غريزة الحرية. الحرية تجعل الناس وحوشاً قاتلة. يحتاجون الى تعديل. يجري التعديل بالقوة العسكرية (المادية) وبالقوة المعنوية (الدين). يتم تحالف الدين والاستبداد، وإن افترقا في حرب أهلية. هي حرب صراع على السلطة وليست على ماهية السلطة. يحتاج الناس الى سلطة تقمعهم، وتعيد تربيتهم، وتعيد تنشئتهم من أجل أن يصيروا بشراً أسوياء. لولا السلطة لأكل الناس بعضهم بعضاً. الناس وحوش بطبيعتهم. ما يجعلهم أبناء المدنية هم السلطة. هي السلطة الوحشية؛ فلماذا لا تعيد خلق الناس على صورتها، ما دام الخالق خلق الناس على صورته ولم تتظهّر الصورة كما يجب. ما عجز الله على خلقه، يقدم الاستبداد نفسه على القيام به. يحل محل الخالق. لا يستطيع الجهر بذلك. يحتاج الى الدين. وهذا يحلل، ويقدّس، ويبرّر، ويحرّم. مع الخلق يصير الدين ثانوياً. مع الاستبداد يصير الناس شيئاً إضافياً لا لزوم له. لزوم ما لا يلزم.

الطغيان أشبه بحالة الاحتلال، كما يحتل الأجنبي بعسكره البلد، ويحوّل الأسرى الى عبيد يبيعهم في سوق النخاسة. يحتل الطاغية البلد مع جنده، الذين هم من أهل البلد، ويستولي عليهم. لا يبيعهم كعبيد للغير. يستعملهم عبيداً عنده. وفي غالب الأحيان يستولي على ممتلكاتهم، إما بالمصادرة المباشرة أو عن طريق أساليب ملتوية. لا قانون يحكم بعكس إرادة الطاغية. يمارس الحكم بعشوائية ليس حسب قانون، بل حسب رؤى ومصالح وضعها هو. يحكم بالقوة العشوائية، والإرادة العشوائية، والظلم المنظّم. حاشيته الأساسية أجهزة الأمن والمخابرات. يتحوّل الجيش الى نوع من المرتزقة بعد أن صادر منهم كل قضية تستحق القتال، وأفرغهم من كل ما يجعل لحياتهم معنى أو لقتالهم (حتى الموت) هدفا. يبني الطاغية جيشاً موازياً (يسميه أحياناً “الحرس الجمهوري”) مهمته الدفاع عن الرئيس، وليس عن الوطن. الى جانب ذلك، هناك حاشية الحرس الجمهوري الحالي المؤلف من أقارب وأصدقاء، ليس لحماية الاقتصاد بل لنهبه أو تقديمه للقوى الخارجية التي تساند النظام. في زمن النيوليبرالية يصير هؤلاء المقربون المصدر الوحيد للاستثمار، أي لمزيد من النهب والمصادرة والاستغلال. يصير لزاماً على المجتمع وما يملك أن يتستر ويخفي أملاكه، وخاصة المنقولة، بالتوازي مع التستر على الأفكار وإخفاء المشاعر. سلخ المال والممتلكات يسير بالتوازي مع سلخ الأفكار والمشاعر. تتحوّل الأموال الى “ميري”، والضرائب الى “خراج”. يُعاد المجتمع الى القرون الوسطى، أو ما قبل الحداثة. ديوان العطاء مكرّس للحاشية والعسكر. هذه الحالة توجد في كل بلد عربي، فهل يختلف الاستبداد عندنا عما هو في بقية بلدان العالم؟

تدمير الفكر يحدث بالتوازي مع تدمير الإنتاج. كيف يفكّر من سُلِخَ عقله؟ وكيف ينتج من سلِخَ ماله أو قلّ أجره. ثم يصرخ الطاغية لائماً المجتمع بكل صفاقة على غياب النخبة. هي النخبة الثقافية الغائبة كما النخبة الاقتصادية، هاربة في بلد سعى الطاغية الى أن يكون صورة عن الإله. مال الله هو مال الطاغية. أفكار الطاغية هي الاجترار عند من تبقى من النخب المفتعلة. في الدين، كل شيء وكل فعل يصدر عن الله، وللبشري “الاستطاعة” (التعبير من علم الكلام) وفي المجتمع كل شيء ملك للطاغية. المجتمع مخلوق لخدمة الطاغية تمثلاً بالآية الكريمة ” وما خلقناكم إلا لتعبدون”. التحالف بين الطاغية المدعي العلمانية والحداثة وبين أصحاب الدين شبه مؤكد. بنية التفكير واحدة. السيطرة واحدة. يبرر أولياء الدين للطاغية كما يسبّحون الله. يزداد بناء المساجد. يُبنى في عهد الطاغية من المساجد بما يفوق ما بُني في كل التاريخ السابق، منذ الفتوحات العربية. الفرق أنه لا فتوحات ولا غنائم إلا النزر اليسير الذي بقي ملك الناس.

أساس الاستبداد هو الاستباحة؛ استباحة أموال الناس وأعراضهم وعقولهم ووعيهم. كما يستبيح الغزاة أرض المهزومين وشعبهم. يستبيح الطغاة أرض المحكومين وأموالهم، ويؤمّمون قضاياهم. القضية هي ما يجعل للحياة معنى ومغزى. والقضية هي ما ينهي أهمية الموت من الحياة.

قضية الحاكم المستبد أن يقبض على السلطة. قضية الناس في مكان آخر. يتبنى قضيتهم ويتظاهر بالعمل من أجلها. في الحقيقة هو يكذب لأنه لا يفعل شيئاً من أجل الناس. الاستبداد هو التكاذب بينه وبين المحكومين. هو يتظاهر بالعمل من أجلهم وهم يتظاهرون بأنهم يصدقونه. الكذب المستمر والمتبادل يتحوّل الى انفصام شخصية عند الطرفين. يغطي الحاكم كذبه بترداد الشعارات وصخب الجهر بها. الأصوات تصمّ الأذان. لا يكاد المحكوم يسمع جاره. المنطلوب أن لا يسمع وأن لا يتواصل. كل تواصل بين الناس خطر على النظام، وموضع شك لديه. يضطر كل مواطن الى الانغلاق على نفسه. وينتظر الفرج. أو ينفجر وتتكوّن ثورة. أو تنمو على أطرافه مجموعات متطرفة دينياً. يصير المواطن بين المطرقة والسندان؛ بين حداثة كاذبة عند الحاكم، وتطرف ديني خارج على ما اعتاد الناس عليه من الدين، عند بعض المحكومين. أحيانا، يتعاون الحاكم المستبد مع المتطرفين، وأحياناً يقاتلهم؛ في الحالتين تطلق عليهم تسمية إرهابيين.  يندرج الأمر في الحرب العالمية على الإرهاب. يصير القتل مبرراً، والاعتقال مبرراً، والتعذيب مبرراً. الإرهابيون لا يجوز أن تدافع عنهم جمعيات حقوق الإنسان. يكسب الحاكم المستبد شرعية فقدها. الشرعية المفقودة بسبب انكشاف كذبه ومصادرته لأموال الناس ووعيهم وقضاياهم. يستردّ بعضها بإدعاء الحداثة ومحاربة التطرّف والمشاركة في الحرب على الأرهاب. يُرحّب به عالمياً، سراً أو علناَ، لدى الحلف الدولي المحارب للإرهاب. يزداد الانتفاخ الذاتي لدى الطاغية. تنخفض حاجته الى شعبه. النازحزن المهاجرون المشردون في بلدهم أو خارجه هم مشكلتهم لا مشكلة النظام. القوى الخارجية تحميه. تنزل الجيوش الأجنبية لحمايته. ينتصر على شعبه. يفقد البلد سيادته. يتسارع الحديث عن الإعمار، قبل انتهاء الحرب اللأهلية. يُطلب من المستبد اصلاحات لا يكترث أحد للتنفيذ. من مقومات النظام العالمي، خاصة في زمن الليبرالية الجديدة، التعاون بين الحكومات الاستبدادية في الأطراف. تتقاسم القوى الأجنبية النفوذ والمصالح في البلد. والحاكم المستبد ينعم بذلك. يعقد معها اتفاقات طويلة الأمد لا بهدف التنمية أو الإعمار بل بهدف الحفاظ على السلطة. عودة الى المربع الأوّل: حاكم مستبد لا يلزمه شعبه، وشعب لا يلزمه حاكمه.

 يفقد المجتمع مناعته ضد الاستبداد. هو مخيّر بين الاستقرار أو استمرار الحرب الأهلية. فلسطين أخرى: القبول بما يشبه الاحتلال أو النزوح.

من خلال كل ذلك يحقق الاستبداد غايته. تزول السياسة. تختفي الساحة العامة. لا نقاش، لا حوار؛ والتسويات غير ممكنة، أو لا يُسمح بها. الاستبداد الجديد مبني على الاستبداد القديم الذي أعقب مرحلة التحرر الوطني. في تلك المرحلة جرت تعبئة شاملة سياسية وثقافية واقتصادية وعسكرية ضد الاحتلال الكولونيالي. استمر ذلك بعد الاستقلال وتحوّل الى نوع من التوتاليتارية التي أفسحت المجال للاستبداد. حالة من التعبئة الشعبية العامة والشاملة ضد مؤمرات خارجية تحاك باستمرار. انقلابات عسكرية متوالية تحت هذا العنوان. ضُبِطَ المجتمع بكل تفاصيله كي لا تنفذ المؤامرة (الموهومة أو الحقيقية) الى الداخل. مع الانفتاح، ودخول النيوليبرالية الى ايديولوجيا السلطة، يرث الحكم نفسه. تولّد السلطة نفسها بأشكال جديدة قديمة. المشترك في الحالتين هو توسّع الأجهزة الأمنية ودخولها كل مسام المجتمع. يفقد المجتمع مناعته. المناعة التي اكتسبها في التضامن ضد الكولونيالية، فقدها في ظل الاستبداد.

يكسب المجتمع مناعة اجتماعية بالسياسة، أي بالحوار والنقاش والتسويات في الساحة العامة، وفي مجتمع مفتوح. ويصل فيه الى أعلى المراتب بين أنداد. في غياب ذلك يميل المجتمع الى الاهتراء والتفكك والتفتت. كلما كانت منطقة عتيقة المؤسسات كلما زداد التنوّع والتعددية، الإثنية والدينية. ينحلّ ذلك في الدولة. هي إطار السياسة لا غير. لا مؤسسات موازية من جيش أو حزب أو غير ذلك.

إفقاد المجتمع المناعة السياسية هو نتيجة حتمية للاستبداد الذي يضغط على المجتمع ضغطاً متزايداً يؤدي الى تدميره (والى حرب أهلية لا يُعرف آخرها). يتعزز المجتمع بالمناعة السياسية مهما بلغت الخلافات والاختلافات القومية والإثنية والطبقية، الخ… بالمناعة يصير المجتمع متماسكاً لا يخاف البعض من كله والكل من بعضه. الخوف المتبادل بين الأطراف هو ما يهدد مناعة المجتمع. المستبد الحاكم يستغلها ويأخذ الدولة معه الى الدمار.

 إلغاء الساحة العامة، إلغاء الحرية، تقليص مجال النقاش، اعتبار الناس أتباعاً لا شركاء في النظام والدولة، الاعتماد على حلقة ضيقة مؤلفة من الحزب والعسكر وأجهزة المخابرات، كل ذلك ينتج فيروسات قاتلة تعرّض جسد المجتمع للاهتراء. لا يستطيع النظام استبدال السياسة بالدين، وفي نفس الوقت إدعاء السوية. ينزع النظام صفة الدولة عنه بالاتحاد أو التحالف مع الدين. مهما إدعى النظام من علمانية أو حداثة أو تقدمية، فإن تحالفه مع الدين يحوّل هذا الأخير الى أداة سياسية، يحوله الى دين سياسي، ويبعده عن الإيمان. يفرغه من محتواه التآملي. يتخلى النظام عن مهامه السياسية، ويوكل بعضها لأصحاب الدين. وما حصل فعلاً خلال فترة الاستبداد هو تحالف النظام مع الدين مستبعداً السياسة. يعتمد على اتكاليات الدين مستبعداً احتمالات السياسة. نظام القمع لا يطيق الاحتمالات. يريد كل شيء مضموناً. يوفر له الدين إطاراً ايديولوجياً للتأكيد ولامتلاك الحقيقة وحجبها عن الناس. يريد الاستبداد حقيقة واحدة هي السلطة وما تريد وما تقول. تجبر الناس على الترداد من ورائها. اجترار أفكار يؤدي الى كبح تطوّر المجتمع. كل ما لا يتطوّر يفسد، وبهذا الفساد في الوعي يفقد المجتمع مناعته السياسية. يصير كائناً مهترئاً عاجزاً غير مبال وغير منتج. يعتمد الأفراد في المجتمع على الدولة كمرتزقة (تسمى العلاقة اشتراكية). ولا تعتمد الدولة على الناس. في هرولة السلطة الى الدين بأشكاله المعتدلة والمتطرفة. كان السبق للمجتمع، إذ لديه خبرة أكثر وتقاليد أعمق في هذا المجال، أي المجال الديني. صارت السلطة من دون مبادىء الحزب ومخططات التنمية والوعود بحل مشاكل الناس الاقتصادية والاجتماعية. ولم تكسب رهان الدين. سبق المجتمع الى الدين أدى الى ظهور بعض أشكال التطرف، ولا يلام على ذلك إلا السلطة المدعية الحداثة والعلمانية. أدرك المجتمع مبكراً تهريج السلطة الديني، فتمترس وراء الدين، وانتشرت مظاهر الدين من الحجاب الى كثرة المساجد. ما دام المنع من السياسة جارياً. مُنعت السياسة من الحياة العامة فأصبح الدين هو الحياة العامة. الحرب الأهلية بين السلطة والجماعات الدينية هي الصراع بين حليفين افترقا وما زالا يتنافسان على السلطة.

ازداد انحياز الثورة المضادة بعد ثورة 2011 نحو الدين. الثورة المضادة التي تشنّها الأنظمة ضد الناس هي في النهاية ثورة رجعية تجعل الدين في صلب برنامجها ولو إدّعت العكس.
كل ذلك ينمّ عن إفلاس ايديولوجي لدى جميع الأطراف. ليس لديهم ما يقدمونه للناس سوى الدين والتدخلات الخارجية. لا ينتصر أحد في هذا الصراع.

سلطة فقدت شرعيتها ومبررات وجودها، ومجتمع فقد مناعته. الاستبداد قبل كل شيء وبعد كل شيء، هو فرض إرادة الفرد (وحاشيته) على المجتمع. هو كسر إرادة المجتمع وتفريغ روحه وتدمير إمكانات التقدم لديه. الاستبداد كما الحرب بين الدول، هدفه فرض إرادة على أخرى. اي إزالة إرادة المهزوم. الاستبداد يزيل إرادة الشعب، يلغي مبرر وجوده. يلغي هذا الذي يميّز الإنسان عن غيره من المخلوقات. يحوّل الإنسان الى ما يشبه النبات، مع فارق أساسي، هو أن هذه الإرادة الملغاة تغلي في الداخل،  في أحشاء كل فرد وعقله، لتنفجر بعد حين وتدمر من حولها.

Leave a Reply