7
Feb
2017
0

الثورة كي لا تعود.. انكار الحدث، افتراضية الواقع، تجاوز الحقيقة

في ذكرى ثورة يناير المصرية والتونسية التي عمت البلدان العربية والتي كادت تطيح بمعظم الحكام العرب، يجدر التفكير ببعض المصطلحات السياسية الشائعة، مثل الحدث والواقع والحقيقة والثورة والاصلاح، الخ…

يتحدثون هذه الايام عندنا نحن العرب، وفي العالم عن الحدث والحدث المضاد، وعن الواقع والواقع الافتراضي، وعن الحقيقة ومابعد الحقيقة. يظن القارىء أو السامع كل ذلك ” تفلسفاً ” أو لعباً على الكلام. لكن وراء الاكمة ما وراءها. اجهزة السيطرة على البشرية تخول نفسها وحدها صنع الحدث وتحقيق الواقع وامتلاك الحقيقة. الأمر احتكار لها، وتدخّل الشعوب للتعبير عن ارادة ما يعتبر خطراً، بل تهديداً للنظام العالمي.

في عام 2011، وما تلاه، شكلت الثورة الهاماً لكل القوى الراديكالية في العالم. صار ميدان التحرير رمزاً لحركات التحرير. عواصم ومدن كبرى صار فيها ميدان تحرير أو ما يشبهه. كان على الشعوب العربية أن تدفع الثمن. كان ذلك الثمن هو الثورة المضادة وما تلاها من عودة النظام البائد يقمع أكبر وبحروب أهلية على مدى الوطن العربي. السلاح الأهم في الحرب على الشعوب والمجتمعات العربية وغيرها، هو تشويش الوعي عن طريق التفكيك والتأويل وتدمير العقل لإعادة تشكيله بما يتناسب مع السلطة.

المعروف ان الثورة لعام 2011 حدثت، وان الحدث ينتهي حالما يقع. يتبع الثورة اصلاح، سواء سقط النظام أم لم يسقط. الاصلاح يحقق أهداف الثورة، يقيها، يحميها كي لا تصبح انقلاباً أو مجرد محاولة انقلاب. الاصلاح هدف الثورة. لا يكون المرء ثورياً الا اذا كان هدفه الاصلاح، وتراكم الاصلاحات. الثورة اعلان نوايا الشعب، إظهار ارادته. الاصلاح ينقل النوايا الى واقع جديد، يحقق الارادة. يُسن دستور جديد، تعلن قوانين جديدة، الى اجراءات تؤدي الى مزيد من الحريات وعدالة توزيع الثروات وصولاً الى تحقيق مطلب الكرامة الانسانية التي عبرت عنها جماهير الثورة بشعار ” عيش، كرامة، عدالة اجتماعية “.

الثورة حدث، واقعة، نازلة، حادثة. هي حدثت ولا يمكن ان تستمر، لأن في استمرارها ثورة على نفسها، ثورة ضد نفسها. لكن الذين جاؤوا الى السلطة بعد الثورة، حالوا دون الاصلاح. ازداد منسوب القمع والنهب وارتكاب المجازر. شارك في ذلك فلول الانظمة القديمة. وجد انصار الانظمة التي لم تسقط ذريعتهم في محاربة الارهاب والتكفير. ساهم ذلك في نشوب وتأجيج حروب اهلية في كل مكان تقريباً. كثيرون من العلمانيين والحداثيين أيدوا أنظمة الاستبداد متهمين شعوبهم بالظلامية. من يسكن الظلام والعتمة تتوجب هدايته، كما الخروج من الجاهلية الى الاسلام، من الظلام الى النور. فجأة يستعملون تعابير الاسلام السياسي. المشكلة لدى هؤلاء هي الشعب، هو لا يعرف ماذا يريد، هم يعرفون بالنيابة عنه أو ضده. ارادة الشعب مرفوضة.

استنكروا شعوبهم فأنكروا الثورة. قالوا أنها لم تحدث. الأمر بنظرهم كان يمكن تأييده لو كان للثورة برنامج. اذاً اين النخب واحزابها ؟ النخب ذاتها والاحزاب التي قمعت على مدى عقود من السنين، والتي تراكمت لديها قرون من السجن والقهر والتعذيب، صار يطلب منها المستحيل (الذي جعله الاستبداد مستحيلاً) والذي جعله الاسلام السياسي أشد استحالة. بعد تدمير النخب طالبوها بقيادة الثورة والاصلاح عن طريق برنامج كان يجب ان تحققه السلطة، سلطة الاستبداد، كما وعدت عند ركوبها على رأس المجتمع. تلاعب بمصير الشعوب يتطلب انكار حدوث الواقعة – الثورة – مصادره ارادة الجماهير تقتضي انكار انه عبّر عن ارادته ومطالبه. انكروا الحدث وساروا مع أحداث بديلة. اذاً، الحديث ليس حول حدث مشترك يعترف به الجميع، فيكون البعض مؤيدين وآخرون معارضين. الحديث هو حول حدث انكر وقوعه، وحدث آخر بديل يجدر الاعتراف به. فريقان لا يلتقيان. حرب أهلية. البديل صادر التفوق الاخلاقي.

إنكار الحدث يقود الى واقع افتراضي بيد السلطة والى مرحلة ما بعد الحقيقة. هم انفسهم (السلطات ونخبها) الذين انكروا الحدث وأغرقوا المجتمع بالأوهام، اعتبروا ان الحقيقة صارت وراءنا. لم يعد للحقائق مكان لأنها لم تعد مشتركة. السلطة وحدها هي المشترك المزعوم، هي صانعة الحدث والواقع والحقيقة. انكار الحدث معناه أن ليس للشعب حقيقة، لم يعد ضرورياً. هم في السلطة، هم الإله الجديد.

الإله الجديد يحتاج الى دين. اللعب بالأديان، خاصة الاسلام، صار حرفة عند هؤلاء وغيرهم. نشأ الجهاديون والتكفيريون المتحولان ارهاباً وعمليات انتحارية، للقتل عشوائياً، في سجون السلطة التي كانت مدارس حقيقية. جرت تربية أجيال في هذه المدارس – السجون. بإسم هؤلاء يحاسبون جمهور الناس، دون الأخذ بالاعتبار أنهم الوجه الآخر للسلطة. المجتمع في ناحية أخرى. مطلبه الحرية وكسر الاغلال. يزداد القمع لمحاسبة شعوب اعتبروها بيئة حاضنة. مقولات شعب يسوده الفقر والجهل والمرض (عند القوميين العروبيين وحركات الاسلام السياسي والستالينية) تحولت الى مقولات الجهادية والتكفيرية والانتحارية التي يجب محاربتها بإسم الحداثة والاعتدال والعقلانية والتقدم. المجتمع الذي كان المنوي اعادة هندسته بإسم محاربة الجهل والمرض والفقر صار الآن هدفاً للإبادة. وهل الثورة المتحولة الى حرب اهلية سوى حرب ابادة جماعية ؟

الجمهور معتاد على وسائل الاتصال الاجتماعي والفضائيات وغيرها من وسائل الاعلام التي تقرر ما هي الاحداث، وتبث الاشاعات، وتفرز في الادمغة واقعاً افتراضياً، وتعلن تجاوز الحقيقة. الجمهور العالمي الذي استقبل مقولة ” موت الله ” النيتشوية في اواخر القرن التاسع عشر، يعيد احياءه في مطلع القرن الواحد والعشرين. مراسم الدفن كانت فاشية وحربان عالميتان. الاحتفال بالولادة الآن حرب عالمية تتركز على المجتمعات العربية، وفاشية جديدة في الغرب الراسمالي وحول العالم. حرب عالمية في منطقتنا. مجتمعنا يدان بإسم الدين. تجتمع ضده كل القوى الاقليمية والعالمية متجاهلة ارادته. اعلن هذا الشعب ارادته في 2011 فقيل له لم يحدث ذلك، أراد واقعاً مغايراً فقيل له الواقع نقرره نحن لا انت، اما الحقيقة فقد تم تجاوزها وصارت وراءنا، العالم الآن في عصر ما بعد الحقيقة. غريب ان نضال الشعوب ضد الرأسمالية والامبريالية وسيطرة القوى المالية انتج الحداثة، ثم جاءت النيوليبرالية متصاحبة مع ما بعد الحداثة، والفاشية الجديدة تتجاوز كل ذلك الى مرحلة ما بعد الحقيقة.

حرب ابادة الوعي والروح والعقل. دين صادره الجهلة والقتلة. سلطة اغتصبها الطغاة. مجتمع يحكمه الاستبداد والعشوائية. فعلت السلطات المحلية والاقليمية والدولية كل ما بوسعها كي يستجيب المجتمع استجابة فيها دين كثير وروح ملغاة. ثروات مصادرة لصالح قلة من السماسرة الذين يعدون على اصابع بضعة ايدي، ان لم يكونوا يداً واحدة.

ليست الثورة الا عودة الروح (والعقل والوعي) الى ضمير الفرد والمجتمع. مع اماتة الله في آواخر القرن التاسع عشر تصاعد الحديث عن النبالة وعودة الروح. مع احياء الله، في مطلع القرن الواحد والعشرين، افرغ البشر من النبالة. رأسمالية مالية تسيطر. ثروتها اوراق مالية مطبوعة فارقت القيمة التي تصدر عن العمل البشري. تضخم حجم وكمية الاوراق المالية (عملة ورقية، سندات، دين، الخ…) صاحبه تقلص الروح عند البشرية. الغاء الضمير، أو ما بقي منه يكفي للاستخدام في القتل العشوائي. لم تعد الحرب اقتتالاً بين جيوش لطرفين أو اطراف متعددة. صارت موجهة ضد مفاهيم يفترض ان حامليها يشكلون خطراًعلى النظام العالمي. يمكن تصنيف معظم الجنس البشري تحت مقولتي الارهاب والتكفير. كل من يطالب بالحقوق يصير ارهابياً، كل من يعتقد بأفكار غير مناسبة يصير تكفيرياً. حرب على الوعي والروح والعقل كي يصير الناس قابلين لموقف مؤيد للحرب.

هو انكار للحدث، انكار للثورة، انكار للناس ومطالبهم. هي حرب تشنها السلطات لفرض واقع يسمى افتراضياً. غابت الحقيقة أو السعي من اجلها. تسطح الوعي. صار قاعدة ذهنية لما ترتكبه القوى المسيطرة. حرب ابادة الوعي تُحول الناس الى هياكل حية دون روح ودون عقل.

Leave a Reply