15
Nov
2019
2

الحرية ١٩ – في ثقافة البذاءة

كأن لأركان الطبقة السياسية لوم على المتظاهرين بسبب بعض البذاءة في التعابير وشتم بعض الزعماء الذين اعتبروا أنفسهم في مستوى فوق مستوى الشتيمة أو في مستوى القداسة. أغفلوا واحدة من نتائج الثورة وهي تدمير المقدسات. والأفدح أنهم أغفلوا البذاءة الفعلية التي يمارسونها. انفصلوا عن شعبهم، ويعيشون في قصور مسورة، ويستخدمون الطائرات الخاصة، بينما شعبهم يغرق في الفقر، والمرض، وفقدان المناعة والمغزى، وانسداد السبل أمامه. شعبنا يهاجر، بالأحرى يّطرد من أرضه. وهم يتنعمون بما لا يليق. وكل ما يتنعمون به هو من المسروقات التي أخذت من الشعب الذي أُفقر بفعل برنامج سياسي مارسته الطبقة العليا. لم تحتج هذه الطبقة على بذاءة الغنى  وما يُنتج من فقر. لم يحتجوا على بذاءة فقر الفقراء المفتعل والمبرمج، بل احتجوا على بعض الألفاظ، والله يعلم من هم مصدر هذه الألفاظ بين الجمهور، وهل هي مدسوسة فعلاً.

ليست مهمة الألفاظ البذيئة. المهم بذاءة النظام وانفصاله عن الشعب، وعدم اكتراثه بما حدث. المهم انكسار حاجز الخوف من الطائفية وزعماء الطوائف وأكباشها. أحياناً لا نستطيع وصف شخص أو شيء إلا بما يناسبه من الألفاظ. ما سمعناه من الألفاظ، ألفاظ المتظاهرين، كان مناسباً. هل يريدون من الناس تحمل الوجع الذي لم يعد يطاق دون الكلام عنه؟ كل الألفاظ التي لا تليق بهم في الحياة اليومية العادية تليق بهم في ظروف الثورة. بالأحرى ظروف الثورة جعلت الفقراء يتطاولون على الطبقة العليا بما لديهم من ألفاظ اعتادوا عليها.

إذا كانوا لم يتحملوا هذه البذاءة، فلينتظروا الى يوم المحاسبة، وسيجدون أن ما قيل بهم أقل بكثير مما كان يجب أن يقال.

كبار القوم ليسوا ملائكة حتى لا يستحقون الشتيمة. الثورة حدث، انفجار، زلزال، ينتج عن بؤس الحياة. الحياة البائسة أنتجوها هم. وهذه الطبقة السياسية التي لا ترى من المجتمع إلا نفسها. تحيط نفسها بهالة من القداسة الكاذبة. ترتفع الأسوار حول منازلهم ولا يدري أحد ماذا يفعلون داخل الأسوار. هي أسوار مادية ومعنوية.

طفح الكيل. انفجر المجتمع. قيل ما قيل، والمخفي أعظم. يستحقون السخرية وهي أرفع درجة من الشتائم. لكن ما باليد حيلة. حاصروا المجتمع بين أسوار الفقر، لا لسبب إلا لأن ثرواتهم لم تشبع نهمهم لسرقتها من جيوب الفقراء. تتابعت أيام الثورة. انكشف المحجوب المعلوم. انكسر حاجز الخوف. وصل الغضب حده الأقصى. البذاءة لا تصفكم أنتم وأقرباءكم بل تصف الحالة التي يعيشها الناس. هذا ما تخافونه. اعتبرتم الطائفية تحميكم، واعتبرتم حاجز الخوف من أكباش الطوائف أبدياً. فإذا الخوف يزول. واعتبرتم زعامتكم مكرسة والى الأبد فإذا هي تتزعزع. اعتبرتم الناس رعايا تأتمر بأوامر أكباش الطوائف، فإذا الناس قضاياها منفصلة عنكم وفي مواجهة معكم. لقد أفلتوا من أوامركم وطرحوا قضاياهم بمعزل عنكم. أصبحتم دون عمل ودون مهمة. تنتظرون بلورة مطالبهم كي تلغموا الأرض تحتها وتنسفوها. هم يعرفون ذلك. يشتد غضبهم. رميتموهم في الشارع فتعلموا كلام الشارع. يستعملون الألفاظ المناسبة لوصفكم. الكلام البذيء الذي تحتجون عليه هو من صنعكم. والمعلوم أنكم تستعملونه فيما بينكم عندما تدعو الحاجة لفشة الخلق. تستعيرون من العامة بعض كلماتها وأساليبها. أحيانا تفعلون ذلك على سبيل التطارف كي يبدو عليكم مظهر شعبي مفتعل. والمعلوم أنكم تحتقرونهم ولا تعترفون بوجودهم إلا كأصوات في الصناديق عند الحاجة. أنتم مذعورون لأنهم في المرة القادمة سيستخدمون أساليب مختلفة في التصويت. سيكون صعباً على الأكباش سحبهم للتصويت كما يريدون.

الألفاظ المستخدمة لدى العامة لا تفزعهم، تفزعكم أنتم. ربما كان فيها بعض الكشف عن حقائقكم. تخافون على أنفسكم منهم. كشف المستور يؤرقكم.

تلجأون، أو يلجأ بعضكم، لصبغ أنفسكم بالقداسة. هذا الأمر يتعدى خلط الدين بالسياسة. تريدون أن يحميكم الدين من نتائج ما ارتكبتم في السياسة والاقتصاد. حتى الزعماء من غير رجال الدين يفترضون القداسة لأنفسهم. ممنوع على وسائل الإعلام مخاطبتهم إلا بالألقاب التفخيمية التقديسية. ممنوع عليها أيضا تناولهم بالسخرية والمزاح؛ فكأن السخرية ليست فناً راقياً. يعرفون قدر أنفسهم. ويعرفون قيمة أفكارهم وأعمالهم. ويخافون لسع التهكم لأن ما بأنفسهم من تفاهة لا تستحق أكثر من التهكم. ليست البذاءة شتيمة بقدر ما هي وصف لواقع الحال. لا يريدون معرفة رأس الناس بهم. يدفنون رؤوسهم بالرمل. واحتقار الناس لهم نتيجة ما اقترفت أيديهم. يستحقون الدفن تحت سابع أرض كما هو القول الشائع. يخترعون قوانين تجعل كرامتهم تساوي القدسية التي لا تمس خوفاً من المس بمقام سياسي أو ديني أو بشعور وطني أو قومي. يرتكبون كل الموبقات ولا يريدون الناس أن يصفونهم بما يليق بهم. اذا كان من اعتراض على البذاءة فيجب أن تكون نقدية لناحية قيمتها الفنية وحسب. البذاءة فن شائع لدى الفقراء  في البنية الاجتماعية الدنيا، خاصة في المدن. تحت أرض المجتمع البورجوازي الذي  الذي لا يكترث لهؤلاء الفقراء ولا يعرف من هم. أحيانا تكون البذاءة صوت من لا صوت لهم؛ الذين لا حيلة لهم إلا الكلام الجارح. وما كنا نعرف أن لهذه الطبقة العليا، حاكمة أو على أطراف الحكم، مشاعر هفافة حساسة. مشاعرهم تقدر بالمال وحسب. مشاعر الناس تقاس بالفقر والآلام واليأس وفقدان المعنى والمستقبل المسدود الأفق. أسلوب عيش البورجوازية هو البذاءة. ليس بيد الفقير المعدم إلا الألفاظ. وإذا لم يستخدم الألفاظ النابية يكون خاضعاً مستسلماً. وهنا تكون البذاءة. بذاءة المعدم هي واحدة من وسائل التمرد على الطبقة العليا لمجرد أنها خروج على الأعراف وشذوذ عن وسائل الضبط والكونترول. ما هو معروف عن عهر الطبقات العليا هو أكثر بكثير من ما يتحدث الناس عنه.

يوازي ذلك نزع القداسة عن كل رجال الدين الكبار. هم مساهمون في بذاءة الطبقة الغنية، أو الأكثر غنى؛ بغض النظر إذا كانوا يغلفون أجسادهم بملاحف من الحرير، ويحملون الصولجانات، إلا أنهم يتلاءمون كثيراً مع الحكام المدنيين في مباركة أسلوب عيشهم وممارسة البذاءة القصوى. اتخذوا لأنفسهم ألقاب قداسة هم ليسوا منها بشيء. القداسة أصلاً وهم كاذب. المعروف عن حياتهم اليومية أنها لا تفترق كثيراً عن حياة الناس. والمعروف أن القداسة، ان احترمت، هي رابطة بين صاحبها والله. والأهم أن الرابطة مع الله يجب أن لا تستخدم في العلاقة مع البشر الآخرين وإلا أصبحت وسيلة للقمع. ليست القداسة صفة بشرية؛ هي ما يخالف الطبيعة البشرية. ومن يتلبسها طوال ساعات النهار والليل يمارس أقصى أنواع البذاءة. لا فائدة لها إلا زرع الأوهام في قلوب الناس، بينما بذاءة الفقراء تصف موضوعياً، في غالب الأحيان، أموال المشار إليهم.

إنّ خضوع المعدمين للطبقات العليا في أداب السلوك هو استسلام وخضوع وتخل عن الحرية. ممارسة البذاءة لدى الطبقات الدنيا هو نوع من الحرية التي لا بدّ منها. التحرر الطبقي يبدأ بالخروج عن الطاعة وتصاحبه البذاءة اللفظية التي تصبح فرضاً واجباً. إذا اعتبر كبار البورجوازية أن ذلك إهانة لهم فهم يستعملون معايير طبقتهم السلوكية لتطبيقها على طبقات دنيا لا ثقافة أخرى ومعايير أخرى للسلوك الحسن. واجب الثورة هو تجاوز التمرّد اللفظي الى التمرد الشامل الذي يحرم الطبقات العليا من كل امتيازاتها، بما في ذلك الألقاب الشريفة، ولا بدّ أن يمر ذلك بسلخ الثروات المنهوبة منها، ومعاقبتها على كل البذاءات الأخرى المادية والمعنوية.

لا شيء أكثر بذاءة من أبناء الطبقات العليا، وهم جميعهم ولدوا بالصدفة؛ هم بالأحرى نتائج بيولوجية. يتبوّأون مناصب عليا أو يرثون ثروات كبيرة، أو تقودهم صلاتهم بأهل السلطة الى حيازة ثروات كبرى، قانونية أو غير قانونية في مصادرها، وكل ذلك بمعزل عن كفاءاتهم الفردية. الكفاءة الوحيدة التي يمتلكونها هي الانتماء للطبقة العليا، وربما المنظر الحسن الناتج عن علف يغذي أجسادهم بما لا يتاح للفقراء المعدمين. الفقراء يبدأون حياتهم بمستوى من الفقر ليصيروا بعدها أكثر فقراً. أما أبناء الأصل والأروقة، يبدأون حياتهم العملية بمستوى من الغنى والصلات الاجتماعية ليصيروا أكثر غنى ويحوزوا ثروات أكبر. الأرجح أن الثروات جميعها أو بمعظمها لا تنتج عن أعمال شرعية، بل هي في حقيقتها ناتجة عن تراكم بدائي أساسه نهب ما في جيوب الفقراء، ولا يخلو إلا من جرائم ترتكب في خضم المنافسات الرأسمالية. أصحاب الأصل والأروقة يعتبرون ما لديهم حقاً لهم، وذلك أبعد ما يكون عن العدالة وأقرب ما يكون الى البذاءة. هو البذاءة بعينها، إذ يعيشون أسلوب حياة، ويمتلكون الكثير من المال، وتنتج عن ممارساتهم جحافل من الفقراء، ويزداد هؤلاء فقراً. ألا يمارس هؤلاء من أبناء الطبقات العليا بذاءة مادية ومعنوية في حدهما الأقصى؟ البذاءة عندهم أسلوب عيش. بذاءة الفقر تنفيس عن ألام وأوجاع متراكمة؛ وصف لحالة يعيشونها وهي حالة لا تطاق. بذاءة الفقراء المعدمين أكثر نبلاً ورفعة من تهذيب المدللين. لم يولد الفقراء على الدلال، بل على الذل، ويحاسبونهم على كلمات قالوها ويقولونها ويجب أن يقولونها. أبناء الدلال هم الذين يجب أن يُحاسبوا على سلوكهم ومصدر تهذيبهم المالي البورجوازي.

النبلاء الجدد خانوا طبقتهم التي غادروها وشاركوا في موبقات الطبقة العليا وبذاءاتها. جريمتهم مزدوجة، يضاف اليها اعتبارهم للثروة المنهوبة لديهم هبة من الله. أكرمهم الله بالثروة ولا نعرف لماذا لم يكرم غيرهم. هم لا يقرون أن صعودهم السلم الاقتصادي والاجتماعي كان معناه هبوط العديد من أبناء الطبقة الوسطى والبورجوازية الصغرى والعمال الى مستوى الفقر المعدم. لا يعلم هؤلاء أو لا يريدون أن يقروا أن نبالتهم هي الوجه الآخر لبذاءة الفقراء المعدمين. بذاءتهم ذات النبل اختيارية أما بذاءة الفقراء المعدمين فهي اضطرارية، بالأحرى طبيعية. طريقة عيش لا يُحسد عليها أحد.

مُنحت القداسة في عصر النيوليبرالية للمال والثروات المالية وأصحابها. قسّمت المجتمع وجعلت الطبقات الدنيا تعيش شظف الفقر والخشونة والبذاءة وعدم اكتراث للسلوك البورجوازي المؤدب. في أحيان كثيرة يقلّد أبناء الأغنياء لباس الفقراء ويجعلون منه موضة لكنهم لا يغادرون موضعهم الثقافي. تخلق الرأسمالية في كل مجتمع ثقافتين. وهي إذ تطلب من جموع الفقراء أن تسلك طريق البورجوازية العليا في السلوك وأداب الحديث فإنها تطلب المستحيل. لكنها تستطيع معاقبة فقرائهم لمخالفة المعايير التي تضعها هي. القضاء حاضر طبعاً لتطبيق قوانين وضعتها البورجوازية الكبرى. إنّ وحدة الدولة سياسياً أمر مسلم به. أما وحدة المجتمع الثقافية فهي أمر مستحيل. تخلق البورجوازية الكبرى الفقر. تخلق الطبقات الدنيا. وتتشكّل لهذه الطبقات أنماط عيش لا يستطيعون غيرها. ربما كان ارتباط ثقافة ما بنمط إنتاج معيّن أمرا غير مرغوب. لكن هذا ما يحدث. عالم الفقراء، خاصة الذين يعيشون على حافة الجوع لا تعرفه ولا تريد أن تعرفه، وهي تظلم الفقراء إذ تطلب منهم أن يقلدون سلوكها.

الانقسام الطبقي في المجتمع ولّدته الرأسمالية وولدت معه انقساما ثقافياً.

Leave a Reply