19
Jul
2019
0

الحرية ١ – حول المفهوم والمسار

الحرية هي أن تؤمن. وأن تؤمن بأن ما تؤمن به نابع منك ومن ضميرك، ومن كونك كائناً يؤمن، وقادرا على الإيمان أو عدمه، كائنا يبرّر أموره بفضل إيمانه ووعيه، وبفضل ما كان أساساً في عقله أو ضميره. نعرف أن العقل والضمير أمر مركب. يخالطه الكثير من الأوهام والهواجس، وما يحوّل الحقائق الى أكاذيب، وما يحوّل الأكاذيب الى حقائق، وما بينهما. الحرية هي الحق في الريبة. الحق في الشك. الحق في الانكار قبل الموافقة، أو الإنكار من دون موافقة. الحرية نقيض الموافقة. خاصة إذا كانت الموافقة على ما يفرض. تفرضه سلطة ما، دينية أو سياسة. الموافقة قيد سلسلة ملفوفة حول رقبة العقل. ليس العقل قياساً عقلانيا. العقل يتعدى القياس. يتعدى الاعتراف بكل معرفة شائعة. هو خروج على القياس وعلى ما هو مألوف. منكر للقطيع. القطيع هو ما ينضوي وراء المألوف. المألوف هو ما تفرضه السلطة سواء السياسة أو الدينية أو من ينوب عنهما أو من يتحدث باسمهما. تنفذ السلطة وتتسرّب الى العقل من خلال القطيع. القطيع واحد من مسلمات السلطة، المعطاة لها، الموروثة أو التي أنشأتها هي.

الحرية هي أن تكون أنت ولا أنت باستمرار. أن تكون أنت باستمرار هو استسلام للاستبداد. أن تكون لا أنت يعني أنك تغيّرت. صنعت هوية جديدة لنفسك. هذا إذا كان التغيير بتأثير إرادتك. القيود تثبتك حيث أنت. لا يؤثر عليك من الخارج وإلا كان ذلك استبدادا. التغيير لا يمليه أحد. يحدث باستمرار تلقائي. مشيئتك أنت/لا أنت هي هذه الحرية. هوية تعلو على هوية تنكرها، تغيّرها، تضعها موضع الريبة. هويتك ليست ثابتة. تصنعها كما تشاء. في المشيئة حرية. الاستبداد يلغي مشيئتك، يلغي حريتك.

لا تستطيع السلطة بفروعها السياسية والدينية والعسكرية ترك الإنسان كامل الممارسة لحرية التفكير. لا شيء يشكل خطراً على السلطة مثل حرية التفكير. لذلك تبدأ السلطة، بجميع أشكالها، بتكوين عقل الإنسان ووعيه منذ الصغر، منذ أن يولد، كي يتشبّع بالأفكار السائدة المفيدة للسلطة. تسجله السلطة عندما يولد في لوائح المواليد حسب الدين أو الطائفة أو الإثنية. ثم تأخذه الى المدرسة لتدربه على اكتساب أفكار يمكن أن يكون قد اكتسب غيرها في المنزل على أيدي أهله وأصدقائه. تبدأ عملية الضبط والكونترول منذ ولادة المواطن وتستمر حتى وفاته. يفترض بالدولة الليبرالية أن لا تعاقبه إذا خالف أفكارها. الدولة الاستبدادية تعاقبه على كل مخالفة. لا يوجد في الدولة الليبرالية قوانين تحدد الأفكار المقبولة وغير المقبولة. حرية التفكير مضمونة. وان كانت الدولة فعلت كل ما بوسعها عن طريق إلحاقه بقطيع ما، كي يتشرّب الأفكار المطلوبة. الدولة الاستبدادية تعاقبه على كل فكرة غير مناسبة. وهي اكثر تشددا من الدولة الليبرالية في الضبط والكونترول. في الدولة الليبرالية، ينشأ المرء ويتربىّ على أن تكون أفكار الدولة أفكارها، وأفكار المجتمع أفكاره. يقبلها طوعاً، ويعتبرها هي الحقيقة التي يجب أن يؤمن بها كي يكون مواطناً. في دولة الاستبداد تُفرض الأفكار حيث لا تنفع التربية. ويكون السجن بالانتظار إذا بقي المواطن شاذاً عن الشائع لدى السلطة. على الجميع في هذه الدولة الانتظام قسراً. في حين ينتظمون في الدولة الليبرالية طوعاً. لا مجتمع أو سلطة يحبان الخارجين على المألوف والمقبول والمعتبر. انها الحقيقة السائدة. في الدولة الليبرالية تقبلها طوعاً لانك نشأت عليها. في الدولة الاستبدادية تقبلها قسراً، ان لم تكن قد اقتنعت بها بالتربية والعقاب.

الحرية نسبية دائماً. هي بارادايم. أو مثل أعلى نسعى إليه. نناضل من أجله. ندفع ثمنه من دمائنا. لم تصبح الدولة الليبرالية كما هي إلا بعد قرون من النضال ضد الاستبداد فيها. على الرغم من ذلك، تحيل الدولة الليبرالية الكثير من مهام القمع الى مؤسسات وجمعيات طوعية لكي تقوم بالمطلوب تجاه تطويع الأفراد بوسائل ناعمة. لا تٌستعمل الوسائل القاسية إلا عند اللزوم. تبدأ المظاهرات ولا تُقمع اذا انتهت سريعاً. لكنها تُقمع اذا تكررت. هي مكفولة بالقانون إذا حدثت مرة واحدة. لكنها، اذا تكررت، تصير مخالفة للقانون. ويبدأ التنكيل بالمتظاهرين. لا تسقط الدولة الليبرالية القناع عن وجهها إلا عندما يطفح الكيل، ويصبح النظام في اعتبارها، مهددا.

الحرية هي العدو الأول للسلطة. التناقض بينهما ظاهر. فعل تسلط على طرفي نقيض مع فعل تحرر. تتمتّع السلطة الليبرالية بذكاء يفوق بكثير دولة الاستبداد حول استعمال العنف ضد المخالفين. أولاً، هناك الكثير من القوانين التي تحمي الحرية الفكرية في الدولة الليبرالية. وهناك الكثير من القوانين التي تقمع الحرية الفكرية في الدولة الاستبدادية، مثل إدعاء إهانة الشعور القومي أو الديني أو رئاسة الدولة، وما شابه ذلك. ثانياً، إذا مارست الدولة الليبرالية القمع، فإنها تمارسه في معظم الأحيان بالوسائل الناعمة. تلجأ الى القمع عندما تعتبر أن الأمر بلغ ما يهدد “فرضياً” الدولة أو الانتظام العام. القضاء ليس مقيداً بفجاجة كما في الاستبداد. والكثير من القضاة يتعاطفون مع المحالين إليهم.

تقييد الحرية، والحد منها، لدرجة إلغائها، بدأ مع أول مجتمع تراتبي (قمعي) في التاريخ. ومنذ آلاف السنين، المجتمع الأوّل، مجتمع الصيد والجمع، قام على التعاون. ما تجمعه الجماعة الأولى (قبيلة أو غيرها) وما تصطاده توزعه حالاً وبالتوازي أو بالأحرى لكل حسب حاجته. لا تكترث كثيراً للجمع والتخزين. مجتمع قائم على التعاون التام. مع تطوّر الإنتاج، ووسائل الإنتاج، ظهرت تراتبية في كل جماعة، وتشكلت طبقة تستأثر بالفائض الإنتاجي وتمارس احتكاراً على الأفكار، رافق ذلك احتكار ممارسة العنف بين البشر. يصير القمع أمراً حتمياً. تتلاشى الحرية. تنشأ الأديان لتبرير ذلك. وتنحاز السماء طبعاً للطبقة العليا. ألهة المجتمع الزراعي يصيرون أكثر قدرة، وامتداداتهم أكثر توسعا. لا يستطيع الكهنة بناء معابدهم إلا من الضرائب (فائض الإنتاج) المقتطعة من عمل المزارعين. يتعاونون مع سلطة الجباية (الحكم السياسي) لأخذ حصتهم. مع زيادة الإنتاج الزراعي وتكاثر الفائض تزداد حصة الطبقة العليا، ومنها الكهنة، ويكبر حجم المعابد. تصير رمزا للسطة المتزايد توسعها وقمعها.

مع تفاقم السلطة الطبقية، بشكل أو بآخر، سيطر أرباب الأرض، وانتشر الرق والعبودية والعمل الزراعي الذي يربط صاحبه بالأرض. فاقمت التجارة طويلة المدى مشكلة الرق، إذ صار استيراد العبيد للعمل في الزراعة والمناجم فرعا خاصاً في التجارة. تدهور شأن الحريات وازدادت حدة الانقسامات بين الأسياد والرعايا.  وشكّل أهل المدن حالة خاصة إذ كانت جميع الأنظمة مضطرة لترك الحرية لهم من أجل التبادل بين المدينة وضواحيها وبين الامبراطورية والبلدان الأخرى البعيدة. نظّم الحرفيون في المدن والتجار نقابات خاصة بهم للتحدث أمام الحاكم. كانوا مرتهنين لنقاباتهم. وكانت حريتهم إما شكلية أو هامشية. حدثت ثورات زراعية عديدة في الشرق والغرب، لكنها كانت تعود الى حيث بدأت بسبب القمع الشديد. أحيانا كانت الثورات الفلاحية تعبر عن نفسها بأشكال دينية. رجال الدين من الطبقات الدنيا لم يكن وضعهم أفضل بكثير من بقية العامة في المجتمع.

مع تطوّر الرأسمالية صار ضروريا “تحرير” الأقنان والعبيد، خاصة بعد الثورة الصناعية التي بدأت في بريطانيا في نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر. كانت الثورة الفرنسية في 1789 ملهمة لبقية البلدان، خاصة الأوروبية. ثورة قام بها العامة، واستفادت منها البورجوازية الرأسمالية. كان القرن التاسع عشر عصر ثورات في جميع أنحاء العالم. كل ذلك من أجل الحرية ومشاركة العامة في الانتخابات البرلمانية. فُرِضت الدساتير في العديد من بلدان أسيا وأميركا اللاتينية. صحيح أن جميعها، في الشرق والغرب، كان يتلوها قمع كبير، لكن الحرية أصبحت مطلبا للجميع. ما كانت الأنظمة البورجوازية قادرة على تلافي الانهيار إلا بنشر الحروب القومية في سبيل حروب فيما بينها. ثم انتقلت في الربع الأخير من القرن التاسع عشر الى الامبريالية لاخضاع شعوب بأكملها في أسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية.

السيطرة الامبريالية وضعت الامبراطوريات ضد بعضها، وكانت محاولة لوضع قوميات فوق أخرى تسيطر عليها. وسيلة لجعل الطبقات الدنيا تؤيد حكامها ومستغليها. جرى تقسيم العالم بين الدول الامبريالية في سبعينات وثمانينات القرن التاسع عشر. لكن الحرب العالمية الأولى انفجرت بين هذه الامبراطوريات؛ بعضها كان يمارس الامبريالية على بقاع العالم وخارج أوروبا وأسيا. بعضها كان يمارس ذلك في الجزء الأسيوي من روسيا. انفجار الحرب العالمية الأولى تلاه انهيار امبراطوريات ثلاث: العثمانيون، آل هابسبورغ (النمسا) وروسيا. تلا ذلك مرحلة من الصراع التجاري الحمائي الى أن انفجرت الحرب العالمية الثانية بين امبرياليات ليبرالية (أميركا، بريطانيا، فرنسا، روسيا) وبين امبرياليات فاشية ونازية (ألمانيا، ايطاليا، اليابان). كأن الحرب العالمية الثانية كانت تتمة للأولى. تلا الحرب العالمية الثانية موجة ثانية من حروب التحرر الوطني. إنهاك الامبراطوريات أجبرها على التخلي عن ممتلكاتها. لكن هذه بقيت تحت هيمنتها بشكل أو بآخر. كانت الجيوش في هذه البلدان أكثر الهيئات استعدادا للتعاون مع البلدان المسيطرة سابقاً. التدريب والإمداد بالسلاح كانا وسيلتين لإعادة النفوذ. وكانت القومية وسيلة تضامن الشعوب المستقلة حديثاً مع عسكرها. كان الاتحاد السوفياتي ثورة طبقية لم تستطع أن تصمد طويلاً على هذه الحال. نشأت طبقية بعد الحرب العالمية الأولى وصارت قومية بعد الثانية.

مع انهيار الاتحاد السوفياتي تحولت الدول التي كانت ليبرالية وتحكم بالتفاوض الى سياسة الحكم بالأمر. لم يعد لها ما ينافسها. ظهرت النيوليبرالية في سبعينات القرن العشرين، التي هي الشكل الحقيقي للرأسمالية والأكثر مناسبة لها بعد تفاقم سيطرة الرأسمال المالي على الصناعي والتجاري. وبعد نقل الكثير من صناعات الرأسمالية الغربية الى أسيا وأميركا اللاتينية، إذ فيها استبداد يضمن بقاء الأجور منخفضة ويمنع نشوء نقابات.

حقبة جديدة مع النيوليبرالية، تتربّع فيها النيوليبرالية على عرش العالم وتعاني الشعوب والمجتمعات في مختلف أنحاء العالم من الشرذمة وفقدان المشروع والمشروعية. وللحديث صلة.

Leave a Reply