24
Nov
2019
1

الحرية ٢٠ – ثورة البحث عن معنى ومغزى ومصير

الافقار والتهميش عنوانان كبيران رئيسيان للثورة في لبنان. الإفقار سياسة النظام. التهميش نتيجة حتمية للبرنامج الذي كان وراء تلك السياسة. لا يمكن فصل الأمرين عن بعضهما. بلوغهما نقطة حرجة في وقت واحد أدى الى المفاجأة الكبرى والى حدة المواقف التي اتخذها اللبنانيون.

سياسة الإفقار أدت الى تدني مستوى المعيشة والى تغيير ايديولوجي هائل.  لم تعد الهجرة الى بلاد الانتشار كما إدعى أركان الطبقة السياسية، بل صارت مصيراً للطرد من لبنان. صار كل من يهاجر من المتعلمين وغير المتعلمين، يشعر أنه طرد من بلده فازداد تعلقاً به. أهالي هؤلاء المطرودين-المهجرين لم يكونوا أقل شعوراً بالمرارة. استعيدت ذكريات أو روايات الحرب العالمية الأولى ومآسيها. تكاثر الحديث عن الجراد والمجاعة، وعن الأعداد الكبيرة من اللبنانيين الذين تاهوا في الأرض، رجالاً ونساء؛ معظمهم صاروا منسيين. لا يعرف أقرباؤهم شيئاً عنهم. برزت الذاكرة المثلومة. عاد الجرح ينزف. اشتد الشعور بالعار، لا بالفقر وحده. شعور وحّد اللبنانيين. جعلهم يرتفعون فوق الغرائز الطائفية. جعلهم أكثر رغبة في أن يكونوا مواطنين. حمل العلم من كان يعتبره مجرد ايديولجية قطرية أو انعزالية. علا منسوب الفخر ببلد كاد أن يصبح فندقاً ذا معنى عابر في حياة اللبنانيين. الفقر يجعلك تفقد ما يسد الرمق. الطرد/التهجير يجعلك تشعر بالهوية المفقودة. تبحث عن هوية. لا تجدها الا في البلد الذي فقده المهاجر والذي يتلوّع من بقي فيه. جميع اللبنانيين، أكثريتهم الغالبة، يعيشون في عائلات مشلعة، بالأحرى مدمرة. وُلِدَ هذا الأمر لدى الفلسطينيين نتيجة قيام دولة إسرائيل والمآسي التي سببتها. ما يشبه ذلك حصل في لبنان حيث قرى كثيرة مهجورة. مطرود أهلها، عائلات كثيرة مفرّغة من مضمونها العائلي، ومن دفء العلاقة العائلية، ومن الشعور بمعنى ما أو بمغزى للحياة.

التهميش لم يكن أقل أثراً. أنت في بلد لا ينظر أولي الأمر فيه الى كفاءتك بل الى ولاءك. يجب أن تتسكع على أبواب أكباش الطوائف كي يكون لك معنى، كي تتسوّل وظيفة أو عملاً، كي تتمكن من الاستمرار في العيش. جاؤوا بقانون انتخابات كارثي. اللوائح مغلقة. خياراتك ضيقة. المرشحون لا يستحقون الاحترام. من استحقه منهم سقط سقوطاً مريعاً. شعب لا لزوم له. كل ما عليه فعله هو الإدلاء بصوته. قانون معقّد. حسابات الناجح والفاشل لا يفهمها أحد. أصوات تفضيلية وغير تفضيلية. نجح في الانتاخابات من نال بضع مئات من الأصوات التفضيلية وسقط من نال ألاف الأصوات الشعبية. النتائج لا يدركها إلا العارفون من الطبقة السياسية. كتل نيابية فيها العدد الأكبر من المتمولين وتكاد تخلو من المحامين الذين يفهمون التشريع ويشرحونه لزملائهم.

حتى الطائفية لم تعد ملاذاً. أنت في هذه الانتخابات طردت من طائفتك، كما من عملك ووطنك. وجود أكتر من جيش محلي وأجنبي في لبنان أفقد السلطة هيبتها. في اللحظة التي أراد الفرد أن يصير مواطناً صار مهمشاً فاقد المعنى في دولة فاقدة الهيبة. المطلوب منه فقط الاصطفاف وراء طبقة سياسية تعرف الاحتيال والنهب أكثر مما تعرف القانون. تمارس السرقة أكثر من أي شيء آخر. تعيش على النهب ولا يلزمها البلد إلا كموطىء قدم. يجري تهميشك كمواطن ويراد أن تقف على باب نصاب من الطبقة السياسية طلباً للخدمة. غالباً، أو كثيراً، ما تتعلّق الخدمة بحق لك يتوجب وصولك إليه تلقائياً. الذين في الطبقة السياسية المنتجة حسبناهم يستحقون الاحترام، ورأيناهم أخيراً يمارسون حرفة الكذب بإتقان.

شعورك بالتهميش وأنت في بلدك أكثر ايلاماً من التهجير والطرد. أنت لا شيء، مصيرك لا شيء. مستقبلك مجهول لا قدرة لك على صنعه. أزمة مالية تُفتعل. ما بقى لك من حساب في مصرف يعني أن مالك ليس لك. المصارف مغلقة لحماية موظفيها وحمايتك أنت. بالأحرى تصير المصارف غرفاً سوداء تحاك فيها مؤامرات التهريب. تبييض العملة باتجاه مصارف الغرب. الطبقة العليا هرّبت أموالها الى الغرب. معظم الناس لا سبيل لهم الى ذلك. غرف سوداء للسياسة، بالأحرى للسلطة. غرف سوداء لنقل العملة وجعلها بيضاء في الخارج. أنت لا تملك ما هو ملكك.

تبحث عن معنى لحياتك وعن مغزى لعيشك. لا مكان للبحث إلا في المظاهرة في الساحة العامة. أحياناً تقطع الطرقات وكأنك تقطع الطريق على الطبقة السياسية التي همشتك وحرمتك المعنى والمغزى. قالت الحفيدة، وعمرها 15 عاماً، لأمها عندما سألتها أين أنت، “أنا في المظاهرة أبحث عن مستقبلي.” جيل من الشباب أكثريتهم، يبحثون في المجهول عن المستقبل. يريدون أن يصنعوا المستقبل.  يريدون أن يكون لهم معنى. المعنى هو تفسير المجهول بما هو معلوم. صار تفسير المجهول بمجهول آخر.  يهيم شبابنا في الساحات بحثاً عن هذا المجهول. هم على هامش المعلوم الذي يعيشونه ويرفضونه ويعرفون أن البقاء فيه إهانة لهم وتهميش لحياتهم. المعلوم لدى الطبقة السياسية/المالية، والمجهول لدى الناس، هو ما يطبخ في الغرف السوداء. الوقود أرواح الشباب وعقولهم وأملهم في الحياة وتوقعاتهم حول أن يكون لهم معنى ومغزى. المظاهرات في الساحات سلمية لا يستخدم فيها السلاح، ولا تزهق فيها الأرواح، لكنها عنيفة فيما تعنيه. عنيفة فيما تحمله من مشاعر. خالة الحفيدة وهي ابنتي قالت لي يوما: أيامكم أحلى من أيامنا. فوجئت وتساءلت هل ينقصها شيء مادي وأنا لا أعلم؟ قالت لا، كان لديكم قضية وليس لدينا شيء من ذلك. كان لكم هدف. قلت فشلنا ولم نحقق شيئاً مما كنا نصبوا إليه. قالت: هذا ليس همي؛ كانت لديكم قضية تعطي حياتكم معنى. نحن لا معنى لما نعيشه. ليس لدينا شيء نسعى من أجله، سوى أن نعيش الحياة اليومية.  قضية هؤلاء الشباب هي هذه، حياتهم، وجودهم، مصيرهم. مآلات ما يستجد عليهم. حياتهم اليومية هي القضية، لأنها هي الوجود. مهما كان لديك من قضية أو قضايا كبرى، مصيرية وكونية، إلا أن شلال الحياة اليومية المتدفق في كل لحظة هو معظم الحياة. مطروح أمام هؤلاء الشباب، خاصة النساء بينهم، أن حياتهم اليومية لا تعني شيئاً. هم وهنّ على الهامش وحسب. الحياة، كما في لبنان، تدور حول أكباش الطوائف. حياة الناس اليومية، بما في ذلك من لديه قضية كونية مصيرية، لا تعني شيئاً. أكباش الطوائف هم مركز الحياة اليومية. يدور حولهم الآخرون. يستمدون منهم مقومات العيش مقابل خسران الكرامة. يخسر الشاب أو الشابة المعنى والمغزى، بالدوران حول أكباش الطوائف. في الساحات، يسعى أو تسعى، لحياة ذات معنى ومغزى. يسعون في الساحات حيث يجب أن تكون الحياة العامة، أي السياسة. قبل الساحات كانت السياسة محصورة ومحشورة في غرف مغلقة، غرف سوداء معتمة مظلمة. يقرر فيها ما لا نعلمه. يقرر فيها ما نجهله. أن نجهل هو قوام السياسة عندهم. أن نعلم معناه أن نلج باب الفضائح.

فضائحهم (الطبقة السياسية/المالية) كثيرة. أسلوب عيش. نمط حياة. عندما يكون الفساد مجرد حوادث فردية في مخالفة القانون، يمكن محاربته بالقانون. عندما يصير الفساد نمط عيش لا ينفع معه القانون. هو عند ذلك مسألة سياسية. يصير جزءاً من النظام السياسي. يرتكز عليه النظام السياسي ولا يمكن التغلّب عليه إلا بتغيير النظام أو إدخال تغييرات جوهرية عليه. يحيل القادة السياسيون الفساد الى القانون ويعتبرون مهمتهم انتهت على أساس أن القضاة، والنظام القضائي، من جنس الملائكة. الفساد خروج على القانون في حوادث فردية؛ يمكن القضاء عليه بالقانون أي بالمحاكم. عندما يتعمم الفساد ويصير نظام عيش، بالأحرى نمطاً من أنماط الإنتاج أو اللانتاج، يلجأ الحكام في بعض البلدان الى الحل القضائي بما يشبه الحل الأمني في بلدان الطغيان العربي. هذا الأمر يتطلّب الكثير من القضاء والاستقصاء والأجهزة التي تضاهي الأجهزة الأمنية في أنظمة الطغيان. عندها سيتحوّل القضاء الى جهاز أمني آخر. وسيفقد صفته القضائية البحتة. الفصل بين النظام القضائي والنظام الأمني ضروري، حرصاً على القضاء. القضاء بطبيعته بطيء. الأجهزة الأمنية سريعة. القضاء قائم على اليقين والأمن قائم على الحدس. بالأحرى على الظن وحتى الإشاعات. الأجهزة الأمنية تراقب وتلاحق وتقبض على المشكوك فيهم. وأحيانا تنزل فيهم العقوبات والتعذيب دون تأكّد؛ وفي ذلك ما يخالف الدستور. القضاء لا يلاحق من أجل ضبط المتلبسين بالفساد، وهو يتلقى الدعاوى من أجهزة أخرى ويحكم فيها. عندما يعم الفساد يغرق القضاء تحت عبء الدعاوى إلا إذا أريد الحكم الأمني بوسائل قضائية وهذا ما يحدث في لبنان، وهذا يشكّل إعاقة كاملة لمحاربة الفساد. الفساد العام يحارب بالسياسة بنمط سياسي جديد. وهذا يتطلّب تعديلات سياسية في النظام السياسي. وعندما لا يتم فعل ذلك يكون الحكم بالقضاء حكماً أمنياً بأجهزة قضائية، وهذه تتلبّس المهام الأمنية لدرجة معينة.

لا يعرف فرسان محاربة الفساد في لبنان أن المهمة تتطلّب وسائل غير التي يعتمدونها، أو أنهم يتوخون حكماً أمنياً ديكتاتوريا بالقضاء. مطلب الثوار عن إسقاط النظام يعني إسقاط هذا النظام الأمني وما شابهه من أنظمة أخرى. لا يريدون إسقاط نظام الدولة بل إسقاط النظام الأمني بجميع أشكاله. يريدون عودة السياسة بمعنى إدارة المجتمع لا الحكم والإلغاء السياسة، كما يحدث الآن.

إن الحملة على الفساد لا تفيد شيئاً، ولا تفيد الشباب شيئاً. ما يفيدهم هو توفير فرص عمل من أجل إبقاءهم في بلادهم. عندها تكون الهجرة اختيارية لا طرداً اضطرارياً كما هو الأمر الآن. المسألة سياسية كما يعتقد هؤلاء الشباب لا كما يعتقد أهل السلطة. على أهل السلطة تقديم الحلول: السياسية الاقتصادية. لا أن يتنصلوا من مهامهم التي هم في مناصبهم من أجلها. تكون الحلول ببناء الدولة. بناء الإنتاج لإيجاد فرص عمل. يكون ذلك بالتنسيق بين الدولة وأصحاب المال والقوى العاملة. لا ينهض البلد إلا بالإنتاج. لا ينهض بمحاربة الفساد الذي هو في الأساس موقف سلبي يلغي شيئاً، إذا استطاع، ولا يؤمن نظاماً اقتصادياً-اجتماعياً قائماً على العمل والإنتاج. يعرف الشباب أن النظام كما هو هدفه تدجينهم لا ايجاد فرص عمل لهم.

فضائح النظام بنيوية. تتعلق ببنية النظام. هي ليست فقط فضائح ينكشف فيها المرتكبون، وهؤلاء يجب محاكمتهم. فضائح النظام في الأساس هي نمط عمل النظام. نمط عمل الزبائنية وآليات الحماية للمفسدين، والطائفية التي تحمي فيها كل طائفة أبناءها، بالأحرى أتباع كلّ من أكباش الطوائف. نظام يلغي العمل والإنتاج أو لا يعتبره أولوية لديه، ويتصنّع إلغاء الفساد، لكنه لا يفعل شيئاً ايجابيا من أجل العمل والإنتاج.

سلبية النظام هي ما يؤدي الى الإحباط والى التهجير/الطرد، والى الشك في أن كل ما تفعله السلطة وعود تجميلية في أحسن الأحوال. الفساد ليس طبيعة البشر، هو طبيعة النظام. تغيير أو تعديل النظام مطلب محق. الحل القضائي حل كاذب مخادع. سئم الناس من مخادعة النظام لهم.

اللبنانيون يبحثون عن المعنى والمغزى لحياتهم. المهاجرون يعرفون أنهم طردوا من بلادهم. والمقيمون يعرفون أنهم على هامش الحياة. يتسكعون على أبواب أكباش الطوائف.  يهيمون على وجوهم في الوطن والمهجر. حياة لا معنى لها. مصيرهم، مصير كل واحد منهم مرتبط بغيره. لا يستطيع الواحد، أو الواحدة منهم، صنع المستقبل. ما مغزى الحياة إذا كان صاحبها مسلوخ عنها وعن تقرير مآلها. حياة بلا أمل ولا معنى أو مغزى. حياة على الهامش. حياة تُستبعد منها الكرامة. البحث عن عمل (وظيفة) لدى الشباب هو عملية تدجين لقبول هذه الحياة بشروط الطوائف وأكباشها. وهؤلاء في تحالف مع النظام المصرفي. مجتمع تجاوز حداثته الى ما بعد الحداثة. في الحداثة حقائق عامة وأسس معرفية يتعلمونها في المدارس والجامعات. في الحياة العامة التي يخوضونها بعد التخرّج، من أي مستوى علمي، أو دون تعلّم، حياة لا معنى لها ولا مغزى لها إلا إذا جُردوا من أنفسهم وانضموا الى قطعان الطوائف. حداثة مبتورة مشوهة. ما بعد حاثة تخدم طبقة نيوليبرالية في السياسة والاقتصاد.

أمل الشباب اللبناني هو في الستقبل، المستقبل المجهول. ولا خوف من ذلك. خوفهم من الحاضر. الحاضر المعلوم. حصل الانفجار لأن الحاضر لم يعد يحتمل. فوق ذلك صار الحاضر عقبة في وجه المستقبل. ليس الحاضر بالنسبة لهم درجة يصعدونها الى المستقبل بل عائق صعب التجاوز. خوفهم من أن يبقى الحاضر مستقبلاً، وبالتالي لا مكان لهم فيه، ولا يد لهم في صنعه. طمس الأمل. ليس عليهم صنع المستقبل لانتشالهم من الحاضر. حاضر البطالة والهجرة/الطرد؛ هم ممنوعون من ذلك. عليهم الغرق في الحاضر، والحاضر رمال متحركة؛ كلما أمعنت فيه، كلما غرقت. خنقهم الحاضر فانفجروا. وكان حتمياً أن يكون الانفجار عاماً وأن يتجاوز الأمر الطوائف. هم عرفوا أن الحاضر هو الرمال المتحركة التي تهددهم بالغرق. المعلوم  يفسَّر بالمعلوم. لا مجهول يبحث عنه من يريد أن يضيف معنى جديداً لحياته. تكرار ممل. يأس مستمر. ضجر قاتل. تسكّع دائم على أبواب أكباش الطوائف. دوران حول الغير (عادة كبش الطائفة). فقدان مقومات الشخصية. شعور قاتل بالتفاهة. تفاهة تجعل صاحبها فاقد المعنى والمغزى والمستقبل. عازف عن المجهول. راض عما يقدّم إليه حاضره. عرف الشباب واقع أبائهم وأمهاتهم. رفضوا العيش مثلهم. أرادوا تجديد الحياة. ثورة ضد نمط العيش. ضد أبائهم وأمهاتهم كما ضد أكباش الطوائف وأرباب المصارف.

اكتشفوا أن حياتهم لا تعني شيئاً بالنسبة للنظام وأربابه. لم يرضوا بما رضى بهم الذين أنجبوهم. نمط الحياة الذي عاشه أهلهم مرفوض. هذا معنى رفضهم للنظام. رفض للنظام الاجتماعي كما هو رفض للنظام السياسي. كل منهما مرتبط بالآخر.

الإفقار سياسة النظام. العمل والسعي لحياة فيها معنى ومغزى هو هدف الثورة. هي ثورة على نمط العيش. هي ثورة من أجل الحرية.

Leave a Reply