29
Nov
2019
0

الحرية ٢١ – الثورة تغيير في عمق المجتمع

حراك؟ انتفاضة؟ ثورة؟ يختلف الناس في كل مرة يلفظ أحدهم واحدة من هذه الكلمات المستخدمة لوصف ما حدث في لبنان خلال شهر وخمسة أيام.

محاولة التعريف ربما ساهمت في التصنيف والفهم. سيستمر الاختلاف بسبب اختلاف وجهات النظر والأهواء السياسية، خاصة أن قواعد التعريف توضع بعد وقوع الحدث وإلتزام كل اللبنانيين بتعريف من هذه التعريفات الثلاثة وربما بغيرها أيضاً.

أولاً، علينا التوقف قليلاً للتنويه بالإعجاب الذي يملأ نفوسنا حبوراً وسعادة بسبب ما حدث مما لم يكن متوقعاً، بل هو يفوق الخيال. ما حدث فاجأ الجميع حتى الذين كانوا في مركزه. فاجأ المراقبين. فاجأ اللبنانيين جميعاً. أُخِذ النظام الحاكم على حين غرة؛ أدهش العالم. تحول كبير أمام العالم من دنيا الكباريهات الى دنيا الساحات، من دنيا اللاجدوى واللانتماء الى دنيا السياسة والإمكان والتمكين. شعب اعتبر أن لا وجود له إلا في مخيلات البعض؛ مقولة مستمدة من إخراج القيد، مستخدمة في إنجاز المعاملات. أو على الأقل تعريف صاحبه. تحوّل الى شعب تجاوز تناقضات وانقسامات مفروضة عليه منذ الولادة ومنذ أول إخراج قيد؛ شعب مؤلف من أشلاع لا يكاد البعض يعرف البعض الآخر الى شعب حقيقي موجود في الشارع يقول كلمته ويعتبرها أمراً. شعب يؤمم النظام. يسترد الشرعية. يجرد النظام من شرعيته. الشعب عادة مقولة ذهنية. خرافة قومية أو إثنية. لكنه تكاثف في الساحات، والساحات مجال السياسة، وقال ما يجول بخاطره رغم المخاطر الناجمة عن مراقبة الشُرَطْ والعسس وزوار الليل.. حقيقة الشعب هي الساحات. يولد الشعب مرة أخرى في الساحات. ربما عاد مقولة أو أثيراً فكريا بعد ذلك. لكنه في لحظة الساحات هو النظام، هو الحاكم الفعلي. أهم انجازات الثورة أنها أنجزت الشعب. صار حقيقة واقعة. صار كيانا له هيبته. يخاف منه الجميع بما في ذلك القوى المدنية والطبقة السياسية والقوى الأمنية والعسكرية. بعد أن كان شعباً منخوراً بالطائفية. عاجزاً بسبب الانقسامات، قطيعاً وراء أكباش الطوائف والمال، صار كياناً يقرر مصير لبنان. ولو لمرحلة من الزمن. كوادر الأحزاب التي لم توافق على الثورة شارك أبناءهم فيها. تسونامي ضرب لبنان. لبنان ولد حقيقةً. لم يعد خرافة يختلف حولها العروبيون والكيانيون. صار العروبيون لبنانيون بكل فخر. ولم يعد الكيانيون يرون في العروبة خطراً عليهم. تحرر اللبنانيون من عجزهم. ناضلوا مع الآخر. اندمجوا؛ صاروا جزءاً منهم. لم يعد بين اللبنانيين “أنا”، و”آخر”، و “نحن”، و”هم”. صرنا كلنا نحن. حتى الذين لم يوافقوننا صاروا يفاوضوننا على تعريف الثورة. وفي ذلك انصياع لمنطق الثورة.

بكل سرور نعتذر من الجيل الجديد، من أولادنا وأحفادنا. لا نحن ولا هم كنا أو كانوا يعتبرون أنهم يهتمون بالسياسة. قضاياهم غير قضايانا. أفهمونا بقوة الأمر الواقع أن لديهم قضايا تشرفنا وتدين النظام الحاكم. لسان حالهم: لا نريد العيش مثلكم. خيراً فعلوا. علاقتهم بالأهل توثقت مع قليل من الاحتقار لنا، للأجيال القديمة المعتقة في أقبية الطائفية والخضوع والاستسلام والإحباط والخنوع. ربما أجبرتهم الثورة المضادة، وهي قد بدأت فعلاً، الى بعض القديم لكن الحدث وقع والتغيير حدث. وما بعد 17 تشرين الأول سيكون مختلفاً جداً عما قبله. لا عودة للوراء. مهما اشتد القمع، وربما اشتد أكثر مما نتصوّر، تغيرت النفوس، وتدفقت منها شلالات الحرية. يصعب إخضاع الأحرار. صاروا مواطنين. سيكون هؤلاء شركاء في النظام. بطريقة أو بأخرى سيولد نظام جديد مع ولادة لبنان الجديد، لبنان الدولة. فرضوا تغييراً كبيراً في مفردات ومصطلحات الجوار. جاؤوا بالمعنى الجديد. أطلقوا المغزى الذي كان لا بدّ منه كي يولد لبنان الجديد.

لم يتحدثوا عن واجباتهم. الواجبات يحددها النظام. نظام الطبقة الحاكمة. تحدثوا عن الحقوق. مطالبهم. حقوقهم يحددونها هم. ليست ثورة “مطلبية” تطالب ببعض الحقوق والواجبات المنصوص عنها في القوانين. طالبوا بالحقوق التي سوف توجد نصوص في القانون من أجلها. الحديث عن الحقوق هو الحديث عما يكون للذات. هو الحديث عن النفس. هو الحديث عن الحرية. هي الحرية قابعة في النفس البشرية، تتفجّر عندما تنضج ظروف ذلك. أن يطالب الناس بالحقوق، ويغفلون مسألة الواجبات، هو حديث عن الذات المناشدة للحرية. الذات التي تحقق الحرية.

في زمن النيوليبرالية ليس هناك إلا حديث عن الحقوق. هي في الأساس رغبات تتجاوز حدود الممكن. هنا تتفرّع المسألة الى فرعين. أولهما خلق رغبات تتجاوز الواقع من أجل الاستهلاك، والاستهلاك يجر الديْن، والديْن يجر التبعية والدين والأصولية. وهناك رغبات أخرى تتجاوز الواقع. رغبات الثورة بمعنى أن يكون للأنسان حقوق، وأن تكون الحقوق ليست رغبات. وأن يحترم البشري رغباته التي يقررها، ولا تقررها وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي.

القول الفصل هو للفقر. الرغبات عند الناس وقائع. نتائج ذلك كارثية على الفقراء. الفقر هو الواقعة الكبرى. بعد أن تجرد الطبقات الدنيا من ثرواتها ومداخيلها القليلة، تخلق لديها رغبات تفوق ما تبقى لديها من مال، فتلجأ الى الديْن. وفاء الديْن جزء من الدين. صار الدين ملحقاً بالنيوليبرالية التي تخلق إنساناً جديداً غير ما توخاه الله. لكن الدين يصر لأسباب معروفة على دفع الديْن وارتهان البشري الفقير للديان والدائن.

على الدولة واجبات. للمواطنين حقوق. واجبات الدولة حقوق للناس. لم تقم الدولة بواجباتها. صار للناس ديْن على الدولة. حماية الوطن، وخدمات المرافق العامة، والأهم من ذلك، تطبيق القانون والدستور، هي واجبات تخلت عنها الدولة. وأفقدت الناس أهم ما يحتاجونه. إذا أريد التمييز بين السلطة (جهاز الحكم والسيطرة) والدولة (عموم الناس)، يمكن القول أن النظام هيمن على الدولة ولم يخضع لها. يقدم النظام للناس هيكلاً عظمياً لا احترام بل لا هيبة له. سحب نفسه على الدولة. واعتبرها صورة عنه. مجموعة طوائف تستلب الإنسان كرامته وماله. سيطرت العصابات على فكرة الدولة. تشكلت مع الأيام عصابة أكباش الطوائف الذين تحالفوا مع المصارف. تداخلت حياة الناس بالمصارف. لم تعد علاقة الناس بالدولة ديناً وديْناً، بل صارت ودائع وتسليفات وبطاقات ائتمان. صار الدين وطوائفه طريقاً للعبور الى الدولة. تراكم الديْن العام والفردي. كان تدمير طريق العبور الى الدولة بواسطة هيمنة الطوائف وأكباشها وسيلة النظام المصرفي لتقاسم المغانم والتملّك بالمصادرة. مصادرة أموال الناس وأملاكها ومشاعاتها. لم يكتف النظام بإهانة الناس وتشليحهم وطردهم/تهجيرهم، بل نزع كرامتهم. أهم مقومات الوجود البشري هي الثورة، في شكلها الحالي. صراع بين الناس والسلطة. تقابل ذلك ثورة مضادة يريدها أصحابها صراعاً بين الناس والناس. الثورة المضادة تقوم بها سلطة طائفية مع أتباعها الذين يشكلون جزءاً من طوائفهم. الجزء الذي يشكلونه ليس كبيراً. لكن تدنيس الثورة لم يكن ممكناً بغير إثارة النعرات الطائفية. نزع الطائفيون عن أنفسهم ثوب المقدس، بالأحرى إدعاءه. لبسوا ثوب الشبيحة والبلطجية الذين يرفضون التخلي عن رموز الطائفة والطائفية وأرباب الفساد من أكباشهم. لكن الأرض زلزلت تحت أقدام هؤلاء. كثيرون من أتباعهم كانوا في صميم الثورة. كثيرون من كوادرهم كانوا وما زالوا يتساءلون عن معنى أو ضرورة القمع المسلّح، لثورة سلمية تخاطب العقل ولا تستخدم العنف بأي شكل من أشكاله. وحاول فريق آخر طائفي من أرباب السلطة تبني الثورة كي يبدو الأمر وكأنه صراع على السلطة بين أفرقائها. ما زال أكباش الطوائف يعتبرون أنهم يمكن أن يتصارعوا وتدعم كلّاً منهم طائفة. لم يدركوا، أو لم يريدوا الإدراك، بأن الثورة هي انتفاضة الناس بمجملهم (تقريباً) ضد السلطة بمجملها، وأن “كلن يعني كلن” شعار يعني هذا الأمر بالضبط؛ شعار يعني الصراع بين قوام الشعب بجميع طوائفه والطبقة الحاكمة بجميع أطرافها. لم يستقل أحد من أطراف السلطة استقالة جدية بعد. ما زالوا جميعهم في صميم الحكم والحكومة والسلطة.الاستقالة في هذا النظام نوع من النفاق. الهدف منها تغيير شروط هذا الطرف أو ذاك لمتابعته في السلطة بما هي عليه من عجز مفتعل وانهيار مبرّمج وإخلال بحميع الشروط الإنسانية، وحتى إدعاء الدينية منها. الله ليس جلاداً، ولا ملاذاً، ولا خلاصاً؛ هو لطف وحسب. هم جميعهم (كلن يعني كلن) أبعد ما يكون عن ذلك. احتجوا على السباب لكنهم استرجعوا كل بذاءات القرن الأول الهجري. احتجوا على قطع الطرقات وكأن ثورة ما تحدث دون متاريس من نوع ما. الجيش يتكفّل بالمتاريس المادية. أما الثوار فيضعون متاريس فكرية معنوية قوامها النقاش والحوار بأعلى مستوياتهما. احتجوا على قطع الطرقات عندما أصبحت ساحات عامة للنقاش والحوار، وكل منهما فيه تجاوز للطائفية والمذهبية. الحوار في المجال العام هي السياسة. السياسة تقود الى الدولة والمواطنية. لم تقطع الطرقات بل تحولت الى ساحات حوار، وبقي المرور ممكناً. احتجاج الثورة المضادة لم يكن ضد قطع الاوتوسترادات بحد ذاته. يعرفون أن المرور كان ميسراً على طرقات موازية. ما أثار انزعاجهم الى الدرجة القصوى هو رسوخ السياسة وظهورها الى العلن وتهديدها للقواعد الطائفية. بل هددتها بالفعل. انتفض حراس الهيكل، بمن لديهم من بلطجية وشبيحة، وانضمت حركة التحرر الوطني إليهم. حركات التحرر الوطني، بعد انجاز التحرير، تعتبر دائماً أنها أحق بالحكم والتحكم بالسلطة والتسلّط. حركات للتحرر الوطني، التي حكمت في كل بلدان العالم المتحررة من الاستعمار، اعتبرت أنها تتمتّع بقداسة التحرير. استعانت بالقداسة الدينية، إضافة الى القداسة السياسية، لتمارس القمع الذي تمارسه حركات التحرر الوطني بعد التحرر من الاستعمار. استعمار جديد تمارسه قوى داخلية، والخارج يدعمها. لا فرق لدينا بين خارج وخارج. ليس الخارج هو من يستطيع فعل الثورة. الثورة تحدث وحسب. هي أشبه بالزلزال. ينخرط فيها الناس بإراداتهم إذا بلغ غضبهم الحد الأقصى. الفقر يثير الغضب. والإفقار خطة ممنهجة لدى أهل السلطة. الفساد يثير الغضب. والفساد أسلوب عيش لدى أهل السلطة. ليس العجز وحده ما يثير الغضب. والعجز المالي والمعنوي خطة منهجية لدى أهل السلطة. لكن كل ذلك مع عوامل أخرى تجتمع لتؤدي الى الانفجار الكبير. انفجر الناس ضد أهل السلطة بجميع أجنحتها في الحكم والمصارف ومختلف فروع السمسرة. حصل الانفجار لأن الناس ثاروا لكرامتهم في وجه العجز والغضب والسمسرة والتبعية. انفجرت الثورة لأنها طلعت من النفوس عندما لم يبق بمقدور الأرواح أن تتسع لذل الفقر والاستهانة بالناس وبذكائهم.

سوف نتهم كل واحد منهم بأنه “التقي النقي الطاهر العلم”. لكنهم موجودون في هذه السلطة من الطائف حتى اليوم. كل ما عدا التالي تفاصيل؛ لماذا تقنين الكهرباء في لبنان منذ اليوم الأول لولادتهم في الرئاسة التي بدأت عام 1998؟  لماذا امتشقوا منذ ذلك الوقت سيف محاربة الفساد ولم يمتشقوا سيف العمل والانجاز؟ أنها الليبرالية الجديدة يا عزيزي. وهي تمتد من المرشد الى ريغان وتاتشر. لا يعلمننا أحد الثورة. هي ولدتنا ونحن ولدناها. أما الليبرالية الجديدة فيه ايديولوجيا الأصوليات الدينية وإلغاء الانسان وإلغاء المشاعر كافة وتحويل البشر الى رسائل لقضايا وهمية. الموت لكذا (أمريكا)، والموت لكذا (اسرائيل)، يخفي الحقيقة ولا يكشفها. أولادنا ثوار المرحلة الراهنة. أيامنا أحلى من أيامهم؛ كانت لدينا قضية كبرى في حين أنه ليست لهم قضية. أخطأ أولادنا ونزلوا الى الساحة وبرهنوا أنهم يعرفون القضية كما لم نعرفها نحن. عرفوها في الساحات العامة، وفي النقاش والحوار والسياسة. لم يعرفها بقايا النظام القديم.  لم نكن نعرفها ونحن نعمل من أجل إنهاء الحروب الأهلية. أنهيت الحرب الأهلية وتطورت الأمور بعد ثلاثين سنة الى حرب طبقية. هي الشعب، الناس، ضد الطبقة العليا (بضعة ألاف من العائلات). والطبقة العليا فيها تقسيم أدوار بين أكباش طائفة وأكباش طائفة أخرى، وبين سياسيين ومدراء مصارف. بالاختصار هم طبقة واحدة تتوزّع الأدوار عن وعي أو دون وعي.

والآن بعد أربعين يوما على الثورة، يهددوننا بعدم الاستقرار، وسرقة الودائع، والإفقار لطبقة أخرى من اللبنانيين. فليذهبوا هم وودائعهم وودائعنا الى الجحيم. إذا ذهبوا الى الجنة، لن ترحّب بهم، علماً أننا نفضّل جحيم الطبقات الدنيا على جنة الطبقات العليا.

أعتذر عن التكلم بلهجة المخاطب. أنا لست منهم. لست من هؤلاء الثوار. هم أبناؤنا ونساؤنا. هم الذين يلومننا على عصر انقضى ولم نفعل ما يفعلونه. بلغوا من صلابة الموقف أنهم لا يسمعوننا. خاصة، عندما نتكلم باسم الحكمة والتوسّط والاعتدال. لا اعتدال في مسألة نهب هذا الشعب. وهذا أمر صحيح. لم نكن على خطأ. ليسوا هم على صواب. لا هم ولا نحن نستطيع الإجابة على السؤال: لماذا الفساد في بلدان معينة يتزامن مع النهوض، ولماذا الفساد في بلادنا يتزامن مع الانهيار؟ سؤال صعب الجواب عليه. المسألة ليست في الفساد، علماً بأن كل فساد جريمة؛ هي في الشغل والعمل والإنتاج؛ في التقدم برغم الفساد وربما بالتزامن معه. الفساد ليس نقيض الأخلاق. هو نقيض السياسة. الأخلاق، أو عدمها، هي أن يتصرف كل انسان بحسب ضميره أو ضمير غيره (النيوليبرالية تلغي الضمير، وتلغي معه المشاعر، وتلغي انسانية البشر). والسياسة هي أن يتكلم البشري بلسان نفسه وبلسان غيره؛ ولم يحدث ذلك إلا في المشاعة الأولى. يخافون من المشاعة ويقتلون كل إحساس عند البشري وبالمشاعة الأولى. يريدون فقط أن لا يساهم الإنسان في المشاعة، أي المشاركة في السلطة ونتاج عمله، بل أن يساهم في التبعية. وأبشع أنواع التبعية هي لأكباش الطوائف.

ليس الله مقاتلاً قديماً. هو اللطف. هو الانسانية بمجموعها. هو ما تولد عن الانسانية أو خلقها في لحظة صفائها. ولا نعرف لحظة الصفاء هذه. نعرف فقط أن المحارب القديم هو أصل الأديان والمذاهب والرأسمالية وقبلها الاقطاعية والعبودية، وفي مراحلها المتأخرة الليبرالية الجديدة، والطبقية التي تولدت عن التملّك في مختلف التطوّر البشري.

ثوار لبنان ليسوا لقطاء (واعتذر عن التعبير). هم أبناء الكرامة الانسانية. اللقطاء أبناء الحياة، وثوار اللبنانيون أبناء حياة يراد لها الشرعية في وجه طبقة لا تعرف معنى للشرعية؛ شرعية الساحات العامة، وشرعية السياسة والحوار بين البشر. ليس فقط شرعية “إخراج القيد الطائفي”. قبولنا بالطائفية وبالحياة التي عاشها أهلنا وأجيالنا السابقة يجعلنا جميعاً لقطاء. أعلن أننا لقطاء. نستحق ذلك دون هذه الثورة.

أبناؤكم أبناء الحياة (جبران)، وراء الرغيف (غوركي) ليسوا لكم (علي بن أبي طالب). لم يقل أحد منهم أن الانقطاع مع مرحلة ماضية تجعل لنا لقطاء. الثورة هي في أساس انفجار يحدث تغيراً في عقل الناس ووعيهم. انفجار الحرية الذي يتبعه قمع عظيم ترتكبه الثورة المضادة وأتباع السلطة الذين يحاولون تثبيت أوضاعهم فيها. لكن الثورة زلزلت الأرض تحت أقدامهم. تخلت عن السادة الحكام وأكباش الطوائف قواعد بشرية وانحازت الى الثورة. يحاول السادة إثارة الطائفية من جديد لتحويل الأمر الى صراع بين الناس والناس كي ينسى هؤلاء أنه صراع بين الناس والسلطة.

الحراك احتجاج ربما انخرطت فيه جماهير لا تنسى أوضاع المشاركين في الثورة، لكنهم يبقون جماعات صغيرة تطفوا على سطح المجتمع. الانتفاضة ثورة قصيرة الأجل لا تحدث أثراً عميقاً بين الناس. الثورة تحوّل مجتمعي كبير وعميق الغور. ربما كان في الحراك مراحل تحضيرية، لكن الثورة انفجار روحي كبير يولد تغييرا في عمق المجتمع. وهذا ما يحصل في لبنان. لا ضير في البحث في التعريفات لكن المطلوب هو التفكير فيها.

الثورة انفجار يحدث دون محفزات إلا الأوضاع الاجتماعية-السياسية. انفجار لا يعرفه مسبقاً المشاركون فيه. انفجار يولد منه تغييرات عميقة في المجتمع. حدث لا قيادة له ولا برنامج. إذا كان هناك قيادة وبرنامج عمل فالأمر انقلاب. الانقلابات سياسية تتم في ردهات السلطة. هي غير مرغوبة. سئمنا منها. الثورة تغيير في عمق المجتمع رغم إرادتنا.

Leave a Reply