9
Aug
2019
0

الحرية ٤ – مشكلة المعرفة وقابلية الاستبداد

قيل الانسان عدو ما يجهل. القول خطأ إذا أراد الانسان أن يتقدم. الانسان الجاهل عدو ما يجهل. العارف يصادق ما يجهل، ويتعلم ما يجهل. يكتشفه، يتقرّب منه. يتآخى واياه. يصير جزءاً منه. لا نعرف الكثير إذا انطلقنا مما نعرف. نعرف حقيقةً إذا انطلقنا مما لا نعرف. المغامرة هي في اكتشاف المجهول. المعرفة مغامرة. بالأحرى سلسلة مغامرات. العقل المسترخ فرح بما عنده، مكتفٍ بما يعرف، يخاف المجهول، يتجنب الاكتشاف. الحياة اليومية لديه مكرورة مملة.

العقل الخلاق مبتدع يصادق المجهول، يسعى وراءه، يكتشفه. يبدو أبلهاً في البداية خلال السعي وراء المجهول. بلاهة أن نعالج مسألة نجهلها. البلاهة تتحوّل الى معرفة عندما نكتشف. في الاكتشاف سعادة ولذة. كيف يكون سعيداً من لا يعرف؟ من لا يكتشف أو من لا يسعى وراء المجهول؟ سعادة كاذبة بليدة أن يقيس صاحبها كل شيء على أساس ما عنده. المعرفة أن نسعى الى قياس ما نعرف بما لا نعرف.

المجتمعات العربية، والإسلامية عموماً، حولت البدعة، أي الابتداع، الى نوع من الحرام. ضلالة صاحبها الى النار. حُصرت المعرفة بالعلوم الدينية. في هذه العلوم يسود مبدأ الاستنباط. وهو يقوم على استخدام مبادىء أساسية. الاجتهاد فيها يعني استنباط كل جديد من قواعد سابقة. استخراج كل مجهول من معلوم. المجهول عندها كامن في المعلوم. يقضي الفقيه زمنه يفتش في حنايا المعلوم عن معلوم “جديد”. لا تتغيّر قواعد الأحكام. نادراً ما تغيرت الأحكام، اذا تغيرت. ليس اجتهادا استخراج المجهول من معلوم. هذا المجهول أساساً كامن في المعلوم فكيف يكون مجهولاً؟ التجديد والإبداع هو في خلق قواعد جديدة. والأحكام الجديدة تتبع فيها. مع القواعد الجديدة، التي نكتشفها بالاستقراء والتجربة، نكتشف مزيداً من الكون. نخلق معرفة جديدة. العلوم الدينية لا تزيدنا معرفة لأنها لا تعترف إلا بالاستنباط. العلوم المادية هي التي تزيدنا معرفة. العلوم الدينية الاستنباطية تبحث عن مجهول في معلوم. يكون بالضرورة معلوماً قبل البحث عنه. العلوم الحديثة المادية والنظرية تبحث عن مجهول لا في معلوم بل مجهول يصير معلوماً بالسعي والجهد البشري. الفرق هو كالفرق بين البحث عما نعرف، وهو مخبّأ تحت البساط، هذا من ناحية، والبحث عما لا نعرف، وهو بين السماء والطارق. ليس في العلوم الدينية مغامرة الاكتشاف. ليس في العلوم الحديثة إلا مغامرة الاكتشاف. ليست المشكلة في الدين. فهو شأن تاريخي تطوري. لكل مرحلة في التاريخ صيغة دينية. الصيغة الحالية للدين عبء على العقل وعلى المجتمع.

تتناسب هذه الصيغة الحالية المعرفية الاجتماعية الثقافية مع الاستبداد السياسي والعسكري. أصحاب الاستبداد يريدون مجتمعات تعتمد على الحفظ وعلى الذاكرة وعلى تعلّم ما سبق من معرفة دون تفكير وشك واستقراء. يريدون الاستنباط من معلوم الى معلوم، كي لا تكتشف مجتمعاتهم ما هو جديد مبتدع، بل من أجل أن تصير المجتمعات غير قادرة على الابداع والخلق والانتقال الى حالة تتناسب مع معرفة جديدة. يريدون أن تبقى مجتمعاتهم مقفلة. عقلها مغلق. يخشون من أي معرفة جديدة يمكن أن تتسرّب. يخشون من التفكير واللاتفكير.  التفكير يقود الى حالة جديدة تشكّل خطراً على أنظمتهم. واللاتفكير يقود الى حالة عبثية تجعل كل سلطة سياسية غير ذات صلة. يريدون عقلاً فرحاً بما عنده. لذلك تناغموا جيداً مع السلفية، بأطيافهم التقدمية والرجعية. يريدون مجتمعاً مغلقاً، وعقلاً مغلقاً. يريدون مجتمعاً يدور حول نفسه.

لذلك تخلو معظم الأقطار العربية من مراكز بحث جدية في العلوم الحديثة. لا يريدون طرح الأسئلة الجدية حول الكون والتاريخ والحاضر والمجتمع. أما أنظمتنا التعليمية فهي تنحدر الى الأسفل. ليس فيها تبادل بين الأستاذ والطلبة؛ لا تبادل ثقافياً حول العلم الحديث ونظرياته. التعليم مادة تمر في اتجاه واحد، من الاستاذ الى التلامذة. وغالباً ما يعتمد على الحفظ والذاكرة. كأن المطلوب تعطيل العقل المتسائل الشكاك. العقل الذي يمكن أن يكفر بما يتلقى. اعتماد على التلقين. ممنوع على الطلاب التساؤل. ممنوع إحراج الاستاذ. ممنوع إحراج النظام، نظام الاستبداد.

تنسحب منهجية العلوم الدينية على جميع المجالات العلمية الأخرى، وتفرض نفسها (الثقافة الاستنباطية نفسها) على جميع العلوم المادية والإنسانية. هذا يعني أن ما يفيد في مجال معيّن (الديني) يُفرض على أمور لا يفيد فيها شيئاً، أي في الأمور السياسية والاجتماعية والعسكرية، ولا في أي من الأمور اليومية. هكذا نفرض ما لا يفيد على مجالات تتطلّب الكثير من التفكير والانفتاح والانخراط في العالم والاستفادة من علوم الغرب الحديث. هكذا تُترك مجتمعاتنا جدباء صحراوية. فكأنه تنقصنا الصحاري. صحارى ذهنية تقابل صحارى جغرافية.

مناهج تنهار وتنهار معها الثقافة السائدة ويتأخر معهما الوعي بالذات والوعي بالعالم. كلما مرّ ردح من الزمان، نتأخر عن تحقيق ما كان يُسمى أهدافاً قومية؛ إذا كان هناك أهدافاً قومية. الانهيار التعليمي الثقافي بحد ذاته وجه آخر، أو سبب، لانهيار الأهداف القومية والآمال التي كانت تعبّئ النفوس. صرنا مجتمعات دون قضية أو قضايا. مجتمعات غارقة في التناقضات. تناضل سياسياً، تملأ الميادين، تنادي بإسقاط الأنظمة ولا تسقط النظام الايديولوجي الثقافي المزروع في النفوس.

جمع الدين في المجتمعات العربية بين منهجين. أحداهما دينية والأخرى سلطوية استبدادية. في كل منهما منع للتفكير والعقلانية والتساؤل والفهم والشك واليقين وكل منهما تقتلع الحرية من المجتمعات العربية. بلاؤنا بالاستبداد السياسي العسكري يطابقه بلاء الوعي بالدين. لكل منهما إله ومعتقدات ومقدسات وطقوس يجمع بينهما التعليم. ينشأ الفتى على أن يكون قبول الاستبداد منغرزاً في نفسه. الى أن طفح الكيل في 2010-2011؛ الثورة التي عالجت الجانب السياسي-السلطوي وأهملت الجانب الديني وربما سعت لتقويته. لقد تراجع الوعي الشعبي عما كان في الخمسينات. وتشكلت صيغة دينية طائفية جديدة أكثر مناسبة للرجعية العربية وللاستبداد، وذلك بتأثير النفط العربي على الايديولوجيا العربية السائدة. طوعت هذه الايديولوجيا الحكام العرب الانقلابيين بدعمهم مالياً، كي يطبقوا ما لا يعلنوه، ويتخلوا عن ادعائاتهم الثورية. لكن الأهم من ذلك هو أن ايديولوجيا النفط السلفية استطاعت تدجين الجمهور العربي عامة. ساد نوع من الدين، صيغة من الدين، لم يكن معروفاً حتى السبعينات. أدركت النيوليبرالية الصاعدة دور الدين في الصراع مع الاتحاد السوفياتي ومع ايديولوجيا الطبقة العاملة ومع القوميات المتحررة منذ مدة قصيرة. كان الدين السياسي خير حليف للنيوليبرالية الصاعدة، وربما كان أفعل بكثير من ايديولوجيا اليسار التي كانت تبشر بها الأحزاب الشيوعية. والنتائج معروفة.

ما حدث نتيجة ذلك أن الحرية لم تعد مطلباً يشمل جميع جوانب الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والعسكرية. فجور الأنظمة كان طريقاً الى الانفجار السياسي. لم ترافق هذا الانفجار ثورة في الجوانب الأخرى من المجتمع. فعادت سيطرة العسكر من جديد بواسطة الدين. لم يكن الناس ديمقراطيين اجتماعياً. كان الدين قد حولهم الى مزاج آخر لا يفكر إلا بالحلال والحرام. كان الدين حولهم الى إرضاء السماء بدل محاولة انتظام الحياة في الدنيا. صارت قضيتهم في السماء لا في الأرض. ما دام المتسلط السلفي-العسكري يزودهم بما يحتاجونه فلا لزوم لأن يعملوا، ولا لزوم لأن يعرفوا، ولا لزوم إلا أن يهيأوا أنفسهم لما بعد الموت. صار الحج الى بيت الله أولوية على كل عمل آخر، والصلاة وسيلة لإبراز التديّن، والحجاب رمز لذلك. المال رمز لهبة جاءت من باطن الأرض (النفط). إذن يريد الله ذلك. فلتكن تربية الأجيال على ذلك. كان انتشر التعليم الشعبي منذ بدايات الاستقلال، وبعد التحرر الوطني، كوسيلة للتحرر، فإذا به يصير وسيلة للرجعية. أشرفت الرجعية العربية منذ الثمانينات على إغلاق العقل العربي. وإغلاق المجتمع العربي. لم تعد الحرية مطلباً عربياً. صار تعليب النفس العربية هو المطلب كي تستقبلها مخازن الروح في السماء. تراجعت قضايا الثورة العربية والوحدة العربية والبروليتاريا العربية. وما لا يقل أهمية عن ذلك تراجعت قضية فلسطين، وصار كامب دايفيد ممكناً. باع العرب قضيتهم بقطعة من السماء. كانوا مهيأين لقبول ذلك بوسائل تعليمية غزت ضمائرهم وجعلت قبول ما يجري على الأرض وكأنه حتمية سماوية. لم تعد النقابات تحمل هم العالم وما يجري في العالم، وتشغل بال العرب شعوباً وحكاماً. أخذت الدور القاعدة ثم داعش وبقية الحركات السلفية. كثرت الجامعات التي يُقدم فيها التدريس القائم على التلقين والحفظ وقبول ما يقوله المدرّس ومن ورائه. المشايخ ورثة الأنبياء في تحالف مع الحكام. وهيأوا الأرض الصالحة لذلك. كثرت الجامعات الممولة نفطياً، الى جانب مئات الفضائيات التي تبث برامج دينية وطائفية، لدى جميع الطوائف، وقسم كبير منها مركزه في الغرب الى جانب التجهيل عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي؛ كل ذلك من وسائل التلقين. تحالف متين بين النيوليبرالية والدين السياسي، بين الرأسمالية العالمية والدول النفطية، بين العقل العربي المغلق ودافوس حيث ترسم سنوياً السياسات الرأسمالية. لم يكن صدفة انتشار الجامعات الدينية في التسعينات وقبلها، لا مراكز البحوث. الجامعات للتلقين. مراكز البحوث للشك والسؤال والاكتشاف. وذلك مما لا يراد له الانتشار.

الغزو الثقافي الغربي حصل عن طريق الدين السياسي السلفي. توقف الغزو الثقافي الغربي الذي كان يحمل شعار محاربة الامبريالية والتأخر وقيم العمل والإنتاج. انضوت النخب العربية الثقافية تحت لواء العولمة النيوليبرالية. أجّر كثير من الثوار النخبويين عقلهم وفكرهم للدين السياسي والثقافي، وصاروا يعملون في مؤسساته “الدراسية” للنشر والطباعة، وليس في مراكز البحوث التي لم توجد. وكان ممنوعاً أن توجد. وما كان موجوداً منها أغلق. أساتذة صم وبكم وعمي لا يفقهون ويناقشون توافه الصراعات العربية لا القضايا العرب الحقيقية. كان مطلوباً الصراخ على الفضائيات العربية، انحيازاً مع هذا الطرف أو ذاك لإعطاء المشهد نوعاً من الدراماتيكية. وانصرف بقية المثقفين الذين لم يؤجروا أنفسهم الى نظرية المؤامرة، ولم يناقشوا أية من النظريات العلمية الحديثة.

التعليم في المجتمعات العربية أنتج أفواجاً من العاطلين عن الفكر والتفكير. تهمهم الحياة العلمية الواقعية. ما يعتبرونه “واقعياً” هو العمل الثقافي أو غير الثقافي الذي يدر مالاً زهيداً. غاب نقد الواقع الاجتماعي، ناهيك عن نقد الذات، عن أذهانهم. النقد هنا لا يعني التجريح بل التفكير والتقييم. وعي تدرّبَ على التلقي والتلقين كي لا يسأل ويشك ويكفر ويؤمن. حتى الايمان عندهم خارجي يتجلى في ممارسة الطقوس وحسب. ممارسة تؤكد على وجودهم وانتماءهم وهويتهم للجماعة دون سعي لتكوين هوية جديدة بمعرفة جديدة. باعوا أنفسهم “للشيطان” دون صفقة معه. ليس لديهم شيء يبادلونه لعقد صفقة مع أي جهة. ما أمامهم إلا الطاعة والانصياع للمجتمع والاندماج فيه والخوف من استبدادهم. بين استبداد السلطة السياسية واستبداد المجتمع انحازوا الى الأخير وساهموا فيه. بضاعتهم التفكير. لكن أوعية التفكير لديهم خاوية. فهم غير قادرين على الأخذ والعطاء، وغير قادرين على المساومة. لا يعارضون ولا يتمردون لأن ما لديهم لا يصلح للتسوية. ليس لهم موقف يفاوضون عليه. ساهموا في ألغاء السياسة. مجتمع غير سياسي امتص غياب المعرفة في عروقه. السياسة عنده احتجاج سياسي وحسب. يحتجون، واذا سقطت السلطة لا يجدون البديل. لا تتراكم الانجازات لأنه ليس لديهم شيء ينجزونه على صعيد تطوّر المجتمع. أفقدوا المجتمع، جماعات وأفراداً، القدرة على الحرية: على الانفلات والاتكال على الضمير الفردي والتمرد الاجتماعي. التمرد الاجتماعي يعني الحرية. هو ما يفترض أن يقابل الاستبداد الرابض فوق كاهل المجتمع. تكون الثورة مستمرة متجذرة عندما يتمرّد المجتمع على نفسه أولاً، وعندما يقود هذا التمرد الى الثورة السياسية. تتسع الثورة وتتعمق في مجتمع هائج يصعب تطويعه وترويضه. المجتمع الراكد الآسن قابل للاستبداد السياسي، حتى ولو رفضه لأسباب أخرى.

في نظامنا التعليمي نصنع عبوديتنا بأنفسنا. مجتمع خال من البدع والابتداع. يفتقر الى التمرد. مستسلم للدين، السياسي وغير السياسي. السلفية تتآكله، لا يحترم التاريخ. لا يعتبره تطوراً. يغرق في الماضي. الماضي الذي لديه معظمه مختلق مخترع. ماض وُجِدَ كي نحاول تقليده الآن. لم نعد نكتب تاريخنا. نحفظ ماضينا كما نحفظ الكتب المقدسة. وهذه توسّع اطارها لتشمل كتب الحديث المتحوّل، والأحكام المبنية عليها. نعتمد على تاريخ مزوّر، ونسميه ماضياً.

الحرية قابلية لأن يكون المرء خارج المجتمع والسلطة، أو أن يصير ذلك. قابلية للتمرد على السلطة والمجتمع. فرد لا يخضع لما يقال له. يسأل، يبتدع، يشكك، يدين، يقرر بمعزل عن الأفراد الآخرين وعن المجتمع والسلطة. تترسخ الحرية مع هذا التفرّد. ويتكون المجتمع المفتوح من هذا التفرّد. يعني ذلك الالتحاق بجماعة ما إلتحاقاً ناجماً عن اقتناع يريده الفرد لا ما يراد له. بذلك يفرض الفرد نفسه على المجتمع، والمجتمع على السلطة. بذلك تصير السلطة أداة للمجتمع أولاً حتى في ظروف الاستبداد السياسي.

Leave a Reply