6
Sep
2019
0

الحرية ٨ – تساؤلات وشكوك

العلاقات الاجتماعية روابط بين البشر. هي قيود لا يستطيع المرء أن يخالفها بسهولة. تنطبع في الذهن منذ الولادة؛ وتصير وكأنها الجينات البيولوجية التي تقرر الى حد ما سلوك الإنسان. تتقاسم هذا الميدان، سلوك الفرد، جينات ثقافية، أو ما يشبه الجينات. ينسى العنصريون القائلون بإغلاق الجينات البيولوجية على السلوك البشري، أن التربية التي تفرض الثقافة يمكن أن تتعارض مع الجينات، أو تعوّد الهيكل الجيني على اختيار عدد منها، وان استخدامها يتغيّر فجائياً من فترة الى أخرى. لكن ماذا يغيّر العلاقات الاجتماعية أو الجينات الاجتماعية؟ وما الذي يدفع الإنسان أن يختار منها؟ تكثر العلاقات بحيث يستطيع الإنسان أن يختار منها؟ أو يصطدم بها الفرد فيتمرّد، أو تصطدم بها جماعة من المجتمع فيحدث العصيان، أو يصطدم المجتمع بنفسه فتحدث الثورة؟ أم أن الفرد يخرج، إن أمكن ذلك، من شبكة علاقات اجتماعية ليقع في أخرى؟ المجتمع شبكة معقدة من العلاقات التي تتراكب أفقياً وعمودياً. يصعب على من يعتبر نفسه حراً أن يفعل ذلك داخل المجتمع. إذا خرج منه، يُعتبر متمرداً فيُعاقب. فهل الحرية تتحقق فعلاً أو أنها مجرد سعي نحو المجهول؟ يتطلب الأمر أن يكون المجتمع على قدر عالٍ من التسامح كي يستطيع الفرد أن يتمرّد ويبقى دون عقاب اجتماعي. مجتمعات قليلة هي التي تتمتّع بقدر عال من التسامح. لا يتسامح إلا من كان واثقاً من نفسه. هذا الوثوق لا يتأتّى إلا من التقدم لدرجة يقترب المجتمع من الكفاية. أن يكتفي المجتمع بنفسه يتطلّب مستوى عاليا من الإنتاج والفردية. يكاد التسامح يكون محصوراً في المجتمعات المتقدمة صناعياً (وزراعياً وخدماتياً)؛ المجتمعات التي مارست الاستعمار على غيرها. معنى الاستعمار أن تعيش مجتمعات على حساب غيرها. رغم ثورات التحرر الوطني تطوّر الأمر الى استعمار جديد. وبقي بعض البشرية يعيش على حساب غيرها. فهل تستطيع البشرية بمجملها أن تتشكّل على أساس الحرية لجميع أفرادها؟ بالتأكيد عالم يسوده تمط الإنتاج الرأسمالي لن يصل الى هذا الحد.

الحرية ليست إلا فردية. أساسها أن يتصرّف الفرد حسب ضميره، تصرفاً نابعاً من نفسه، ومن تقديره للأمور. كيف يكون المجتمع حراً إن لم يكن مجتمع حرا (كأفراد)؟ كيف يصير الأفراد أحراراً وهم يخرجون من شبكة علاقات اجتماعية الى أخرى؟ هل تستطيع الإرادة الفردية أو الجماعية أن تتجاوز كل العلاقات الاجتماعية؟ وهل هذا هو المطلوب من أجل الحرية؟ الكلام عن الحرية يتعلّق بالمستقبل. الكلام عن الاستبداد يتعلّق بالحاضر والماضي. هل التناقض هو بين الحرية والاستبداد؟ هل يستطيع مجتمع على قدر كبير من الحرية أن يعيش في ظل الاستبداد؟ وهل الاستبداد إلا احدى الحالات السياسية التي تطفو على سطح المجتمع؟ بمعنى أن الاستبداد في مجتمع أحرار حالة عابرة؟ وهل هناك مجتمعات لم تصل الى حالة التسامح التي تسمح بحرية الأفراد، فهي قابلة للحرية؟ وهل هناك بالمقابل مجتمعات لم تصل الى هذه الحالة، فهي قابلة للاستبداد السياسي والاجتماعي، وغير قابلة للحرية، بغض النظر عن كون النظام استبداديا أو غير ذلك؟ الاعتقاد بذلك يصل بنا الى العنصرية؛ العنصرية التي استخدمتها الدول القليلة الغربية التي تقاسمت العالم، بسبب قوتها، مدعية أن سيطرتها ستجلب المدنية الى المجتمعات المغلوبة. المجتمعات المسيطرة كانت قد شكلت دولاً ووضعت دساتير وقوانين لتقييد مجتمعاتها والمجتمعات المغلوبة. هل انتشار الفاشية، وهي حالة اجتماعية، استجابة للقيود التي يضعها النظام أو ردة فعل ضدها؟ السؤال مشروع، إذ كيف يعقل أن تضع شعوب ومجتمعات السلاسل حول عنقها وهي تدعي الوصول الى حال الحرية.

أصبح دارجاً القول أن في كل مجتمع تعددية، وأن التعددية مطلوبة لأنها ايجابية. إذ هي تتيح للفرد أن يختار أيا من العلاقات الاجتماعية التي هي في صلب التعددية. هذا الاختيار هو فعل إرادة. لكنها إرادة الاختيار بين عدة مجموعات من القيود التي يشكّل كل منها علاقات اجتماعية أو بنية اجتماعية. بذلك تكون الفاشية الجديدة والأصولية الدينية من جملة ردات فعل يعبر كل منها عن خيارات تعبر عن حريات ما. تحقُقْ الحرية، أو السعي إليها، لا يعني التقدم، بل ربما عنى عكسه. التاريخ ليس خطاً تصاعدياً من الأدنى (ثقافياً) الى الأعلى. المجتمعات لا تسير على خطوط مستقيمة.

السؤال الملح والمهم هو ما دَخْلُ الإرادة في كل ذلك؟ وما هي الإرادة غير الضمير الفردي، أو فلنقل الجماعي؟ وهل الضمير الجماعي غير علاقة اجتماعية أخرى؟ هل هو غير قيد آخر يٌلَتف حول رقاب العباد؟

ربما ليس بالإمكان تعريف الحرية بغير القول أنها حالة قلق دائم. نسعى الى الحرية، ونجد مع مرور الزمن أنها إرادة الاختيار بين قيد وآخر.

جاءتنا الحداثة بالدولة الحديثة. دولة المواطن الحر. هي إطار ناظم للمجتمع. في هذا الإطار يكون كل فرد حراً. يكون حراً بمقدار ما يتحرر من العلاقات الاجتماعية التقليدية التي يحل مكانها تقليد جديد هو العلاقات المباشرة بين الفرد والدولة من دون وسيط بينهما سواء كان الوسيط طائفة أو إثنية أو أي علاقة اجتماعية أخرى. وهل يقتضي ذلك تدمير العلاقات الاجتماعية السائدة (القديمة أو التقليدية)؟ حلت الدولة مكان كل شيء آخر. احتوت الشعب (المجتمع). شُكلت القومية. صارت دولة قومية. اخترعت تاريخاً لها. صار هو تاريخ الشعب والمجتمع. لا يمكن أن تقوم الدولة إلا على أساس جماعة متخيلة. الوهم يصير متخيلاً. والمتخيّل يصر هو الواقع التاريخي. في هذا الواقع التاريخي يندمج الشعب. تزول الحدود بين ما يُسمى مكوناته، أو تذوب العلاقات الاجتماعية التي كانت تشكيلاً اجتماعياً متكاملاً؛ تصير كل العلاقات الاجتماعية، أو البنى الاجتماعية القديمة، هامشية في دولة الحداثة. تنحل التعددية. القومية الجديدة (وكل القوميات، كما يبدو جديدة، اذ هي نشأت في القرن 19). هي التي تملأ الدولة. تحال التعددية الى كيانات جوفاء هامشية على نمط الأديان في الولايات المتحدة التي صارت تسمى الدين المدني. الدين المنبثق من الدولة الحديثة لا الدين الذي توارثته الأجيال. في الدين المدني لا همّ عند الدولة إذا غيّر المرء دينه أو مذهبه ألف مرة في الأسبوع. اللاهوت أو الثيولوجيا أو الفقه تطفو على سطح المجتمع ولا تغور الى أعماقه. بالأحرى يفقد المجتمع أعماقه. في البحر فاقد العمق لا يغرق أحد. ليس من يصيبه إطراء أو مذمة إذا فقد دينه أو انقلب عليه؛ إذا خرج على المألوف من العادات أو انقلب عليها. التقيّد بالقانون وحسب هو المطلوب. لا يوجد إلا الدولة وأنت. أنت في غالب الأحيان فاقد محور الحياة. أنت تتعلّق بالدولة وتتمسّك بها، إذ ليس لديك ما تتمسّك به غيرها. تصير الحياة ذات بعد واحد. الحياة مسطحة والأرض مسطحة. في الستينات كان صاحب الحياة المسطحة نبي عصره؛ والآن صاحب الأرض المسطحة نبي عصره. ذاك كان ضد النظام الليبرالي، وهذا يؤدلج النظام النيوليبرالي.

تعني الحرية استقلال الفرد بالتمام والكمال. يتطلب ذلك أن يكون الأفراد أقوياء العزم شديدي الشكيمة؛ قادرين على التفكير العقلاني، وباستطاعتهم الحكم بالخطأ والصواب على ما يحدث بمعزل عن أي تأثير خارجي. في حين ايفرض نظام الدولة ذلك يجرد الفرد من القاعدة المادية والروحية التي تجعل ذلك ممكناً. القاعدة المادية تسلبها الرأسمالية، والقاعدة الروحية تسلبها وسائل الاتصال (الاجتماعي). يعاد تشكيل الفرد على أن يكون تغيراً سطحياً، مسلوب الإرادة. يكاد الفقر يكون كفراً، أي رفضاً لكل إمكانية، وتكاد تكون وسائل التواصل الاجتماعي هي ذاتها وسائل الانفصال الاجتماعي: الكره والحقد وشيوع كل ما هو غير انساني النزعة.

تربي الوحش في منزلك ويأكلك بعد حين. الحرية التي تسعى إليها ليست حرية الفضيلة والمحبة والتعايش مع الآخرين. هي حرية الانفصال والبغض. هل هي أعماق الانسان وهي تطفو على السطح من خلال وسائل الاتصال الاجتماعي؟ أليس للانسان أعماق أخرى. أم أن هذه الأعماق الكريهة هي نتائج النظام الرأسمالي الذي نخر عظام البشرية وأدمغتها؟

لم أجد صعوبة في الكتابة عن الاستبداد. أجد صعوبة كبيرة في الكتابة عن الحرية. ربما ذلك لأن الاستبداد عندنا حالة معيوشة منذ عقود أو قرون طويلة، بينما الحرية أمر نتوق إليه.

نعاني من الافتقار الى معنى الحرية لأننا لم نعرفها. وعلينا أن نبذل الجهد من أجل ذلك كي تتغيّر مجتمعاتنا، ويُطاح بأنظمتنا من دون رجعة. ما زالت ثوراتنا تطيح بالطاغية فيعود ما هو أسوأ منه. يقول البعض أن الأسباب تدخلات خارجية امبريالية. الأصعب هو الإقرار أن مجتمعاتنا لم تتجذّر في ها قواعد الحرية حتى نطيح بالطاغية ليأتي حكم سياسي يعبّر عن الحرية في مجتمعنا. ما دامت الحرية لم تتجذّر في مجتمعاتنا ستبقى الثورات دائرية على عظمتها. هذه الثورات تأتينا بطغاة لا يقلون استبدادا عن أسلافهم.

Leave a Reply