21
Dec
2018
0

الدولة وتصدير الطائفية

يفخر اللبنانيون أنهم بلد الاشعاع والنور. يبدو هذا صحيحاً لدرجة محدودة؛ إذ يصر اللبنانيون على تصدير أسوأ ما عندهم. يظن الاخوان العرب أنهم يستوردون الديمقراطية فإذا بها الديمقراطية الطائفية، وهي غير الديمقراطية على الاطلاق. هي إعفاء من السياسة وطمس لها، فكيف تكون ديمقراطية. كثير من القادة اللبنانيين انتقلوا من الطائفة الى الحزب. والكثير من القادة في البلدان المجاورة انتقلوا من الحزب والسياسة الى الطائفة في العقود الأخيرة.

المقارنة تصح بين لبنان وسوريا. أما العراقيون الذين يقولون أنهم سوف يستخدمون سمات النظام اللبناني فهم لا يعرفون أنهم يستوردون بضاعة مغشوشة. الأرجح أنهم يعرفون ذلك وأن هذا ما يريدونه. ربما أبهرتهم بعض مظاهر الديمقراطية في لبنان. لكن ما لا يجب أن يكون مبهراً لهم هو التفلت الذي يكاد يتحوّل الى فوضى أمنية. لبنان يعيش دائماً على حافة الانهيار، ولا أعتقد أن هذا ما يريده العراقيون لأنفسهم.

المشترك بين لبنان ودول المشرق العربي، وربما دول المغرب العربي الكبير أيضاً، هو قوة السلطة وضعف الدولة. هذه الأخيرة لا تكون قوية إلا عندما يتشبّع وعي الناس بها، فتنفرز في ضمير كل فرد. بها يتحول الفرد الى مواطن. في هذا التحوّل تنزاح أو تزول كل الانتماءات الوسيطة، كالإثنية والطائفية والعائلية والدينية. في الدولة الحقيقية لا تصادر الطوائف الأفراد منذ ولادتهم (وإذا كبر احدهم واعتنق ديناً، يطبق عليه حق الردة، أو على الأقل يعزله مجتمعه). في الدولة يرتقي الفرد الى الحرية. يصير قادراً ومضطراً الى الاختيار. الاختيار يشمل الانتماء الديني. ليس عندنا ذلك. تصادرنا الطوائف، ونبقى رهائن لها طوال حياتنا.

في لبنان تخشى طوائف الدولة الانهيار الى الحرب الأهلية، بعد أن مرت بتجربة دامية في أواخر السبعينات وطوال الثمانينات من القرن الماضي. ولأن الطوائف موزعة توزيعاً شبه “متكافئ” فإنه يصعب أن تتحوّل الى دولة أمنية، والصعوبة وارد تجاوزها باتجاه الاستبداد. وهذا ما يعمل نظامنا لتحقيقه.

في الدول الشقيقة كانوا قبل عقود من السنين يخجلون من الطائفية. أما الآن فهم يتجهون الى تضمينها في الدستور على أنها من صادرات بلد الإشعاع والنور. المقصود دائماً هو شرعنة الاستبداد. ثارت الشعوب العربية في 2011 لاسقاط النظام باسم الحرية والكرامة والعيش بعدالة اجتماعية. تريد أنظمة الثورة المضادة التي تسود بعد إجهاض الثورة نظاماً آخراً طائفياً لا سياسة فيه. السياسة ترتكز على الحوار والمساومة. في كل منهما مشاركة الناس. وفي كل منهما كرامة وعيش أفضل. لا ننسى أن الاقتصاد يتحسن ويرتفع الانتاج عندما يشارك الناس في النظام وفي الشركات وفي تقرير مصيرهم. وتصير الدولة ويخرج النظام من ضعفه. أنظمة الاستبداد جميعها ضعيفة على الرغم من المظاهر التي تنمّ عن غير ذلك. يكثر المساجين السياسيون في انظمة الاستبداد، لا لشيء إلا لأن هذه الأنظمة تخاف الكلمة. تخاف كلام الناس. عندما يتحدثون عن مؤمرات خارجية تحاك ضدهم، واستعمار يتربص بهم، فإنهم في الحقيقة يعنون دردشات الناس في المقاهي والصالونات. لا يخاف الاستبداد من الخارج. هو يتعامل معه بكفاءة عالية. يخاف الاستبداد من الداخل ويتعامل معه بالقسر والإرهاب والسجن والتعذيب في معظم الحالات. بسبب قوانين الغرب وانتشار موضة حقوق الإنسان يصدر الغربيون الى بلدان الاستبداد الأشخاص المتهمين من أجل التحقيق والاستبداد. يقال أنهم يرسلونهم أولاً الى بلدان شرق أوروبية لتحضيرهم قبل وجبة التعذيب التي سوف يتناولونها في بلدانهم الأصلية. البلدان التي نزحوا منها من قبل.

لا بدّ للقارئ العربي أن يتساءل هنا عن الاستبداد في لبنان وهو يسكن بلداً يخشى فيه عاقبة الكلام الحر أو غير الحر. كل كلام معارض للسلطة يعرض صاحبه للقبض عليه والسجن والتعذيب. يبدو لبنان خالياً من ذلك. ليس بالضبط. أولاً، كثرت الأجهزة الأمنية؛ ثانياً، تجبرت هذه الأنظمة على النظام والطبقة السياسة؛ ثالثاً، تدخلات زعماء الطوائف في الأجهزة الأمنية بلغت حداً غير مسبوق. يحكم كل منا عدد من زعماء الطوائف. كل منهم يتحكم بتابعيه، وهؤلاء تبعيتهم ليست اختيارية. ليس هؤلاء الزعماء قادة بل متحكمون، بالأحرى حكام ذوو إرادات لا ترد؛ أوامرهم لا ترد لدى أجهزة النظام. الكلام عن الكفاءة في التوظيف هو في خبر كان. عشرات ألاف الموظفين يلحقون بدوائر النظام من دون امتحان أو أي اعتبار للكفاءة. زعيم الطائفة هو مصدر رزق أعضائها. عشوائية النظام لا حد لها. حتى أرقام الموازنة وسلسلة الرتب والرواتب مشكوك في صحتها. التلاعب بالأرقام بلغ الذروة. أسوأ صفات نظام الاستبداد هي العشوائية في الأحكام وفي السلوك. سلوك الزعماء وأتباعهم.

منذ أن جرى الاستغناء عن المعارضة والموالاة اختفى النقاش العام لأي من القضايا، مهما كانت مصيرية. وزالت السياسة. ومع طمس الحوار لم يعد هناك مجال للتسويات. تشكيل حكومة الوحدة الوطنية يعني أن يشارك كل فريق، كبر أو صغر. ويعني أيضاً أن أي فريق، كبر أو صغر، يحق له وضع الفيتو على الحكومة وسياساتها. وبالتالي يتوقف عمل الدولة والنظام. يسمون ذلك “كربجة”. عندما تتكربج السيارة معنى ذلك أنها تتوقف عم المسير.
بيت بمنازل متعددة كما سماه أحد كبار المؤرخين هو نظام بطغاة ديكتاتوريين متعددين. لا فرق إذا كان للطائفة أكثر من زعيم. كل واحد يتزعم قطيعه. معروف أن الذئاب لا تتجوّل منفردة. في بلدنا، يتجوّل الناس قطعاناً. الرجاء أن لا يعتبر ذلك إهانة، بل إشارة الى حالتنا البدائية. يمكن استبدال التعبير بالتجوّل جماعات. المهم أنهم لا يتجولون أفراداً. لا نصاب للدولة عندما لا تكون الفردية أساسها، وأساس السياسة فيها؛ وعندما تكون الفردية أساس السياسة تكون حرية الرأي وتكون الديمقراطية حقيقية. إذا لم يكن النظام ديمقراطياً فهو بالتأكيد استبدادي. أضف إلى ذلك عشوائية الزعماء، فتكتمل حلقات الاستبداد، خاصة وأن الجماعات تستبعد كل من لا يسير في ركابها، فيصير مثل “البعير المعبد”، كما قال طرفة بن العبد في الجاهلية.

المعروف عن الأنظمة الاستبدادية أنها تسير بالأجهزة الأمنية والرقابة والاستخبارات وأجهزة الاستطلاع وتدجين القضاء وخروج قيادات الدولة على القانون وسيادة العشوائية. سائرون على هذه الدرب.

أدى الاستبداد الى تفتيت مجتمعات عربية، والى حروب أهلية بين الأنظمة وشعوبها وداخل شعوبها وفيما بينهم. الضغط على المجتمع كما على إناء مقفل يؤدي الى انفجاره من الداخل. في لبنان حروب أهلية كامنة لا تستخدم فيها الأسلحة النارية، لكن ما يستخدم فيها ما هو أشد وأدهى. كل طائفة تنظر الى الأخرى وكأنها هي العدو. ربما نسي كثيرون أن العدو هو اسرائيل. صارت هي الاسم لكل ما تمارسه الطوائف ضد بعضها. عندنا كل عناصر الاستبداد من دون طاغية أوحد. يظن البعض أن في هذا الأمر ديمقراطية من نوع خاص. البعض يقول أن تلك هي فرادة لبنان. ربما كان اصطناع الفرادة لإقناع الناس بجدوى النظام الذي يرزحون تحته. في بلدان عربية أخرى يعيش المجتمع حالة انهيار تام. يعيش اللبنانيون حالة قلق مدمرة خشية انهيار داهم. لا تصادف أحداً إلا ويسألك: الى أين يتجه البلد؟ إذا لم تجب: الى الهاوية، يضحك عليك. يقال أن اللبنانيين يستهلكون أعلى نسبة مهدئات في العالم. لا أحد من أفاضل رجال السياسة إلا ويبشرهم بانهيار وشيك. كأن الانهيار لم يحدث. هو انهيار في العقل وفي السلوك وفي الثقافة وفي الأخلاق. مجتمع فقد ملكة التهذيب. زعماء فقدوا حياءهم. الذين استحوا ماتوا.

باسم الأخوة العربية نتمنى أن لا يستوردوا منا شيئاً، حرصاً عليهم لا حرصاً علينا. البطاطا والتفاح، الخ… مفهوم. أما أن يستوردوا منا قواعد الديمقراطية، فهذا ما لا يمكن أن نتمناه لهم. قواعد الديمقراطية في لبنان إجبارية لا اختيارية. من ضرورات هذا النظام الديمقراطي في لبنان أن يكون كما هو استجابة لمتطلبات التوازنات السكانية. توازنات بيولوجية لا علاقة لها بما يسمى العقل البشري ولا غير ذلك. لا شيء أكثر إهانة لوجودنا البشري من أن نكون موجودين، دولة وشعباً، لأسباب بيولوجية. يبدو أن العقل الباطني عندنا تنبّه لهذا الأمر عندما تغيّر الخطاب من “الى شعبنا” الى “الى أهلنا”. لم تعد العصبية قائمة على الاختلاف، وبالتالي على الرأي، بل على الانسجام القائم من أصل بيولوجي، وكل أصل بيولوجي وهمي.

يقال أن لبنان بلد أقليات، ملجأ الأقليات. لا يستورد شكل النظام اللبناني الى بلدان عربية أخرى إلا إذا يراد لهذه البلدان أن تتحوّل الى بلدان أقليات والى أن تكون ملاجئ للأقليات. هذا يعني أن في نية المستوردين إجراء تطهير عرقي هنا وهناك كي يصير بلدهم قابلاً للنموذج اللبناني. هنا بيت القصيد.

Leave a Reply