8
Jan
2019
0

ضرورة التحليل الطبقي

في كل مجتمع طبقات تنقسم أفقياً، وفي كل مجتمع طوائف واثنيات وقوميات وعنصريات تقسّم المجتمع عمودياً. تستطيع  الطوائف منطقياً أن تعيش من دون أخواتها، كما الاثنيات، والقوميات، الخ… لكن الطبقة العاملة لا تستطيع العيش من دون البورجوازية، والعكس أيضاً صحيح. تحتاج البورجوازية الى البروليتاريا. تعطيهم الحد الأدنى من المال الذي يكاد يكفي معيشتهم، وتصر على قمعهم واستخدام العنف ضدهم. لكنها تحتاج إليهم. هم الذين ينتجون السلع، أي الذين ينتجون القيمة وفائض القيمة. لا يستطيع الرأسماليون تحقيق الربح من دون إنتاج فائض القيمة. يدور النظام الرأسمالي، بالأحرى يرتكز على البروليتاريا والبورجوازية.

لا تستطيع الدولة تدمير الطوائف وأخواتها، لكنها تستطيع تدمير الطبقة العاملة، وقد فعلت ذلك في التسعينات، إذ جعلت من النقابات هيكلاً من دون محتوى حقيقي؛ ثم أضاعت حسابات سلسلة الرتب والرواتب بحجة عدم تطابق الأرقام. تتجاوب الدولة مع الطوائف بكل سرور. لكنها لا تتجاوب مع الطبقة العاملة؛ وإذا تجاوبت فيكون ذلك على مضض؛ وبعد ذلك يبدأ الاحتيال على البروليتاريا كيلا تدفع الدولة والمؤسسات الخاصة ما عليها، بل ما وعدت به. تلبية طلبات وشعارات البروليتاريا تشكّل خطراً على الطبقة المتحكمة. لديهم المال للدفع وتحقيق المطالب، لكنهم لا يريدون تلبية المطالب، وفي نفس الوقت يرحبون بمطالب الطوائف. وعيهم الحقيقي يجب أن يكون مع البروليتاريا، لكنه في الحقيقة وعي طائفي. إذ يؤيدون مطالب العمال، ويرفقون المعلن ببعض التديّن كي يرضى عنهم الطائفيون.

 أن يقال أخيراً ان أرقام سلسلة الرتب والرواتب التي أقرتها السلطات غير دقيقة وغير صحيحة، وأن الدقة توجب توخي الحذر والانتظار حتى ينبلج الصباح، ولا ندري أين ومتى. دلالة الأمر هي التعمية. لا يريدون الحقيقة. لا يريدون لها أن تظهر. يريدون الاحتفاظ بها. حق الطبقة العاملة والطبقات الوسطى منوط بالحقيقة. اعتراضهم على هذا الحق، حتى ولو كان قد أقر في المجلس النيابي ومجلس الوزراء.

هذا يقودنا الى ما هو أعمق وهي التعمية على حقيقة الصراع. الصراع الطائفي وما شابهه يمكن أن يهدأ عن طريق الترضية أو بوسائل أخرى. كل الطوائف قصيرة النظر بفعل ايديولوجيتها. أما الصراع بين البورجوازية والبروليتاريا فلا يمكن أن ينتهي. التناقض بينهما دائم وحاجة كل منهما للآخر أبدية. تحقيق الربح يكون في سوق العمل. الذين يعملون ينتجون القيمة وفائضها. الرأسمالي يقتطع فائض القيمة؛ وفي الحقيقة يصادرها، ويسلبها، وينهبها، لكنه يحتاج لمن ينتجها. أن يعتاد البروليتاريون على المطالبة وأن يفرضوا مطالبهم على النظام السياسي فإن ذلك يعني تغيير الأدوار السياسية.

قامت الراسمالية على فرضية، أو هكذا رسا الأمر آخيراً، على مبدأ الحرية في التعاقد. صحيح أن العامل مضطر بحكم المنافسة الى قبول ما يعرض عليه، وما يُعرض ليس إلا النذر اليسير، لكنه في النهاية عقد بين العامل وصاحب العمل. عقد يفترض حرية المتعاقدين. عقد لا يأخذ بالاعتبار الظروف الاجتماعية والسياسية التي أجبرت العامل على أن يكون طرفاً في العقد. تاريخ الرأسمالية زاخر بجرائم النهب والقسر والإكراه والعبودية والعمل بالسخرة المفروض لأجل يتعدى بضع سنوات (شبه عبودية). ولم تصل البروليتاريا الى حرية التعاقد إلا بعد ثورات ونضالات على مر قرون. حرية التعاقد، وحتى الانتخاب، يخفيان حقيقة مرة وهي أن الطبقات الدنيا محرومة ومهمشة وفقيرة حتى وهي تعمل. تعمل كي تتفادى البطالة والحياة المعدمة. هناك عنف يستبطنه كل عقد عمل. لصاحب الرأسمال أن يختار المشروع الذي يريد الاستثمار فيه. أما العامل فهو مضطر لقبول ما يعرض عليه. وفي غالب الأحيان لا يُعرض عليه شيء فيدخل في عداد العاطلين عن العمل. أي في حالة أشد مما لو قبل العرض. العلاقة “الحرة” بين الرأسماليين والبروليتاريا تخفي قسراً وإكراهاً يجعلان الحياة صعبة لمن يعبرها من خلال الطبقات الدنيا.

التعمية ليست مختصة بلبنان؛ بل هي مسألة عامة تخفي حقيقة النظام الرأسمالي برمته. لم يكن عبثاً أن الرأسماليات الغربية قد صدّرت صناعاتها الى آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية كي تتولى حكومات هذه البلاد القمع والإكراه وحتى التعذيب، مخالفة حقوق الإنسان التي تتباهى بها الرأسمالية. ليس في البلدان المذكورة إلا نقابات شكلية للدفاع عن حقوق البروليتاريا، ناهيك بالمطالبة بالمزيد المستحق لها.

منذ بداية التسعينات صار الدين العام ينمو تدريجياً. تسديد الفوائد وخدمة الدين يستفيد منهما المودعون، وهم أقل من 4% من مجمل السكان. لم يكن صدفة أن صعود الرأسمال المالي تزامن مع تدمير النقابات العمالية وغيرها من المؤسسات النقابية التي تمثّل قطاعات واسعة من السكان. الطبقات الدنيا الآن ليس لديها من يدافع عنها في السلطة. أرباب الطوائف يجيدون التظاهر بالدفاع عن فقراء طوائفهم لأسباب سياسية انتخابية. وهم يلحقون العديد من الفقراء بالعمل في مؤسسات النظام بشكل غير شرعي ( من خارج مجلس الخدمة المدنية)؛ عمال غب الطلب، وعمال مياومون، الخ… من خارج القانون؛ حتى صارت الدولة لا تعرف عدد العاملين لديها. أو تتظاهر بذلك. فوضى تفتعلها أجهزة الدولة بإشراف زعماء الطوائف. لا يريدون علاقة منتظمة وقانونية مع البروليتاريا لأن الرأسمال المالي لا يريد ذلك. لا يريد ذلك كيلا يُعطى المعدومون حقوقهم في العيش الكريم.

إن عدم انتظام الدولة سببه أن المسؤولين عنها يريدون ذلك. يريدون أن تبقى الساحة العامة حكراً عليهم. ينتجون الفوضى عن طريق الطائفية. يشبه ذلك صعود الفاشية والنازية والتطرف الديني والقمع الديني الذي يصل الى حد الإبادة في أنحاء الأرض. فزّاعة الإرهاب وقدوم المهاجرين هما دائماً جاهزان لرفع منسوب التوتر لدى هذه الشعوب. هل كانت حادثة ستراسبورغ كافية من أجل كبح تظاهرات السترات الصفراء في فرنسا؟ كما أحداث مشابهة في بلدان أخرى؟ كل هذه الحركات تشتد في حين تتحضّر الدول (المتقدمة والمتأخرة) للإجهاز على مستوى الرواتب وعلى التعويضات الاجتماعية وصناديق التقاعد وغيرها. لا تستطيع النيوليبرالية فعل ذلك إلا عندما يتضامن الشعب، أو جزء منه معها. الطريقة الوحيدة لخلق هذا التضامن هو إعلاء منسوب الغضب والتطرف المرتكز على الهوية، هوية “الأنا” ضد الغريب. لبنان ليس بمعزل عن العالم. يشكّل النازحون السوريون والفلسطينيون حجة لإعلاء منسوب الغضب الشعبي الذي يتوجه ضد هؤلاء بدل أن ينصب ضد طبقة حاكمة تدّعي العجز عن تشكيل الحكومة.

ما يجري حقيقة في لبنان هو صراع طبقي. تستخدم الطبقة العليا، كما في بقية أنحاء العالم صراعات أخرى من أجل التعمية ومن أجل أن يسير الضحايا وراء جلاديهم.

Leave a Reply