31
Jan
2018
3

قضية المقاومة عربية

سدنة الهيكل يحرسونه بحرص شديد؛ فعن طريقه يضعون يدهم على الثقافة والسياسة. في الهيكل القضية. معيار القرب منها أو البعد عنها، كما يقررونه هم. هو معيار الوطنية أو الخيار، وأحياناً هو معيار التمييز بين الكفر والخيانة. القضية كعبة أخرى مجللة بلون المقاومة. فلسطين الأخرى.

المقاومة من أجل القدس؟ من أجل فلسطين؟ أرض فلسطين كاملة؟ أرض فلسطين المحتلة عام 1967؟ كامب دايفيد؟ وادي عربة؟ اتفاق أوسلو المشؤوم؟ حل الدولتين؟ دولة واحدة؟ نضال الشعب الفلسطيني والشعوب العربية قبل مصادرة سدنة الهيكل؟ فلسطين قضية عربية أو إسلامية؟ تحرير لبنان عام 2000 انتصار كبير؟ حرب 2006 انتصار كبير؟ الاغتيالات جرائم؟ معاداة أميركا الشيطان الأكبر؟ الاتفاق النووي هدنة؟ لكنه تعاون مع الشيطان الأكبر؟ ما شرعية هذا التعاون؟ هل هو تكليف شرعي؟ هل يستحق هذا التعاون أن يُصنف شرعياً أو غير شرعي؟

تطلّب الأمر تغييراً عميقاً في إيران في الدولة والمجتمع والنظام السياسي قبل إعلان المقاومة، ورفض إسرائيل، والمطالبة باستعادة الأراضي السليبة، ومن بينها القدس. ربما كانت القدس رأس القضية. لكن أساليب النضال حول فلسطين في المجال العربي ألا تتطلّب تغييراً بهذا المستوى؟ تتكرر أساليب المقاومة وشعاراتها؛ أساليب وشعارات كان الفشل نتيجة لها منذ 1967، 1973، وقرارات مجلس الأمن 242، و338، واتفاق كامب دايفيد، واتفاق أوسلو، واتفاق وادي عربة، وربما اتفاقات أخرى غير معلنة. المنظومة السياسية العربية التي تولت الأمر عبر السنين متهمة ومدانة عن حق. خانت القضية وما تزال. لا مانع عند السدنة من التعاون مع بعض هذه الأنظمة والدفاع عنها. كأن الدفاع عن الطغيان والديكتاتورية يساعد على التحرر. أليست قضية فلسطين قضية تحرر؟ ألا تتطلّب قضية فلسطين تغييراً في المنظومة الحاكمة العربية؟ هل ينسجم ذلك مع دعم أنظمة عربية؟

لا يفترق السدنة بالتاريخ. الانتصارات، وأحياناً الانكسارات، معطاة أو مقررة إلهياً. هم وحدهم يعرفون ذلك. لكنهم لا يقررون ما إذا كان النضال من أجل فلسطين لا يتناقض مع النضال الى جانب أنظمة الطغيان. يعارضون بعض الأنظمة العربية صراعاً على السلطة، وربما على المذهب. المهم أنهم لا يدركون. ولا يريدون أن يعرفوا أن قضية فلسطين هي قضية الشعوب العربية. تنتصر هذه الشعوب بمقدار ما تتوحد في رؤيتها وعندما تتجه هذه الرؤية نحو اعتبار التماسك الاجتماعي بالعمل والإنتاج والحداثة أساس القوة. مقياس القضية عرب أقوياء. عندما يتشقق العرب بين ثورة وثورة مضادة، وحروب أهلية، وعودة القواعد الأجنبية، وعودة الاستعمار والخضوع لإرادة أجنبية مهما كانت صديقة أو عدوة، فإنهم يفقدون إرادتهم، ويتلاشى عزمهم، ويضعفون أمام إسرائيل، ويضعفون أمام القوى الخارجية التي تمعن في إذلالهم، ودعم مضطهديهم، ومساعدة الذين يبذرون بذور الفرقة والشقاق. دعم بعض الأنظمة العربية جزء من ذلك.

لا يفعلون شيئاً إلا بتكليف شرعي. أفعالهم مصدرها إلهي. أفعال الغير بشرية تخضع لمعايير الصواب والخطأ. أفعالهم لا تخضع لهذه المعايير البشرية. ما دام الأمر لديهم تكليفاً شرعياً، أي إلهياً. فهم يعتلون جبلاً أخلاقياً. هم على جبل وغيرهم عند أسفل الجبل. هم أسمى من غيرهم. الحق ملك أيديهم. الحق يبيح لهم ما لا يُباح لغيرهم. القدرة السماوية تمسك بيدهم. يحق لهم تصنيف الآخرين بين ملتزم بالقضية أو خائن لها.

لم تستحق الثورة العربية، ثورة 2011، إلا السخرية والازدراء. لا إقرار لديهم أن القضية مرهون نجاح النضال من أجلها بتحرر الشعوب التي تناضل من أجلها. في الأساس، السدنة غير مهتمين بقضايا التحرر الإنساني. التحرر يمكن أن يطال جميع الشعوب في المنطقة والعالم. لا اعتبار لمسألة أن التحرر من الطغيان هو شرط لتحرير فلسطين. الطغيان العربي الذي دام عشرات السنين أغرق القضية في مزيد من الهزائم والمذلات والاتفاقات المهينة. انهيار طغيان الشاه أتاح اكتشاف القضية. انهيار أنظمة الطغيان العربية أولى بأن يكون خدمة للقضية.

العلاقة بالتاريخ مثلومة نتيجة تطوّر تاريخي ضد الطغيان والاستبداد. أليست القضية أولى بالنضال ضد الطغيان؟ هل الحروب الأهلية التي يساهمون فيها، ويساهم فيها غيرهم تخدم القضية أم تجعلها أبعد منالاً؟ إسباغ الطابع الديني على الراهن يساهم في ضياع القضية. الراهن ليل كافر. الراهن محبط. عندما ينسحب الراهن على الماضي يجري مجرى الإحباط واليأس. عدم التعلّم من دروس الماضي، القريب والبعيد، لا يخدم القضية. الاستعلاء على التاريخ هو نوع من التسامي على الشعوب المقهورة، سواء كانت عربية أو غير عربية. الاستعانة بالتقدم، تقدم الشعوب، هو خدمة للقضية. الاستعانة بالمشيئة الإلهية ليست مسألة مضمونة النتائج. الله كان حاضراً في 1948 وغيرها. من الأزل حتى الأبد.

لا تُساق الشعوب العربية بقضية فلسطين. تدفعها قضاياها الى التعلّق بالقضية. قضاياها والقضية واحدة، سواء كانت فلسطين في أول الطريق أو في آخرها. قيل أنها في كعب الخابية لا قرب فوهتها. ما على سطح الخابية زبد لا يمكث في الأرض. ما ينفع الناس هو ما ينفع القضية.

لا ضرورة للتشكيك بالتعلّق لدى الشعوب العربية بقضية فلسطين. إذا لم تكن هذه القضية عربية فهي لن تكون قضية. لا لزوم لأن تكون القضية الفلسطينية رسنا تُقاد به الشعوب. لا تحتاج هذه الشعوب الى أن تتعلّم القضية ولا أن تتعرّف عليها عن طريق التبليغ والهداية. شعوب تعرف مصالحها وتعرف مصيرها وترى حاضرها أسود داكناً؛ ليلاً كافراً. القضية في صلب ضميرها.

نوع من الازدواجية أن تعتبر الشعوب العربية غير مدركة للقضية! في الضمير القضية: قضية فلسطين وقضايا الشعوب. قضية فلسطين جزء منها. جزء لا يتجزّأ ولا ينفصل عن الأصل الإنساني والعربي تحديداً.

ما لا تدركه “المقاومة” الراهنة لم تدركه مقاومة عرفات ومنظمة التحرير وأحمد شقيري؛ وحتى الكثيرون الذين قاتلوا في فلسطين عام 1948 عن حسن نية. لم يدرك هؤلاء جميعاً أن القضية عربية؛ فلسطين لا تنفصل عن عروبتها، كما لا ينفصل أي قطر عربي آخر. عروبة القضية ليست مسألة قومية؛ ليست العروبة ذاتها فكرة عربية تروح وتجيء، أو تروح بلا رجعة. العروبة هي وجود هذه الشعوب التي تعتبر نفسها عربية وتتكلّم بلغتها، وتتحدث بلهجاتها. كما لا تختصر العروبة قضايا الإنسانية، لا تختصر فلسطين قضية العروبة.

معروف أن بلاد العرب تخضع لحرب عالمية وحروب داخلية. المآسي الراهنة هي من صنع العرب كما من صنع غيرهم. ليس الأمر مجرد مؤامرة. لا يخلو حدث من تواطؤ ومؤامرة. التطوّر التاريخي للشعوب يقضي على كل المؤامرات. المهم أن لا تسلخ عن الشعوب قضاياها، وأن لا يزيّن لها أن مصائرها تقرر في أماكن أخرى غير مساحتها. يقرر مصيرها في المجال العربي على أيدي العرب أنفسهم وهم في مواجهة أنظمتهم والمنظومة الحاكمة برمتها.

أن نفكّر بالنهوض هو أن نستفيد من تجارب الشعوب والأمم الأخرى. ما من شعب نهض إلا من داخله، وذلك بالعمل والإنتاج. بغيرهما لا يحدث التماسك الاجتماعي. لا تستطيع قوة كبرى أن تهزم شعباً، مهما كان صغر حجمه، إذا كان متماسكاً اجتماعياً وسياسياً.

راهن العرب هو التبعثر والتذرر والتشرذم. حروب أهلية في كل مكان لهم. التنوّع الإثني والديني ليس مصدر التشرذم. المشكلة هي في السياسة وعدم إدراك معنى الدولة، والاعتقاد بأمة مفهومها ميتافيزيقي يتجلى بين الحين والآخر، في مراحل مختلفة من التاريخ. عدم الإدراك أن المجتمع يصنع نفسه؛ وتصنعه نخبة  بالتساوق معه وبالتعبير عن وجدانه وحاجاته. النخبة الثقافية جرى ويجري تدميرها على أيدي أنظمة الطغيان. الأحزاب العربية ملحقة بالأنظمة.

إيران جار للعرب. الجار قبل الدار كما يقول المثل. ربما كان في القول مبالغة. فليكن. لكن إيران دولة وهي ليست مقاومة. قضايا الشعب الإيراني ذات أولوية في هذه الدولة؛ أو هكذا يعتقد أولياء الأمر فيها. وهذه الأولوية تمنع، أو يجب أن تمنع، أن يكون لإيران أولوية في بلدان أخرى مجاورة أو بعيدة. في جميع الأحوال، العداء لإيران ليس ميزة بل سبة. طريق إيران للمساعدة في القضية الفلسطينية وبقية القضايا العربية هو احترام الإرادة العربية، انطلاقاً من 2011. لا لزوم للازدواجية في المعايير ودعم بعض الأنظمة بينما يُحارب بعضها. المطلوب ليس الانسحاب من القضايا العربية، بل التخلي عن الازدواجية في المعايير.

قضية المقاومة مقدسة. لكن مقاومة يحق لها زيادة أل التعريف من دون غيرها. هذه المقاومة جزء من مقاومات عربية. المجال العربي مخضوض بالمقاومات. منها ما هو مكرّس في فلسطين ومنها ما هو مكرّس في كل قطر عربي. ما من حاكم عربي إلا ويتحسس رقبته. الطريق طويل. المهم هو العمل سوية. المهم أن تعتبر كل مقاومة أنها هي جزء من حركة الشعوب العربية. الأثمان باهظة. وضوح الرؤية له أولوية أولى. التعمية لا تفيد إلا في تعقيد الأمور وأبعاد القضية عن متناول الشعوب.

Leave a Reply