28
Feb
2025
0

الماضي والتاريح

الماضي هو ما حدث، والتاريخ هو الوعي بما حدث. الماضي نعيه، ونكتب عنه، ونستعبره، أي نستخرج منه العبر، وتتشكّل النظرية ويصير لدينا رؤية تاريخية تفسّر وتؤوّل ما حدث، الذي يتنامى ويتحوّل إلى حلقات في سلسلة لا تنقطع، وكل منها تؤدي إلى أخرى. ويصير كل حدث سبباً لآخر أو ناتجاً عنه. لا نستطيع أن نأخذ الحدث بمعزل عما قبله وما بعده، فيصير هو ذاته غير ممكن. يصير استحالة لا يمكن تفسيرها.

يسمي ابن خلدون رائعته التاريخية والاجتماعية والأنثروبولوجية “كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر”. وفي هذا العنوان يختصر التعريف بكتابه الذي يتألف من خمسة عشر جزءاً، إثنان منها للمقدمة (طبعة دار صادر، وهناك طبعات أخرى اختلف فيها الترتيب). القول في العادة أننا نقرأ التاريخ، وعندما يُقال “نقرأ الماضي” فإن ذلك على سبيل المجاز.

 يختلف التاريخ عن العلوم المادية كالفيزياء، والكيمياء، والبيولوجيا. إن الحوادث فيه لا تتكرر، بالأحرى لا يمكن أن يجعل منها الإنسان تجارب، يبادر هو بها. لكن في التاريخ لكل موضوع مسارات، تتعرّج في تطورها، وليس لها خط مستقيم. والوعي المغلق أو “العقل المغلق” لا يرى إلا مساراً واحداً بينما الوعي المفتوح يرى للحدث الواحد عدة مسارات أو احتمالات. الأول ينتهي إلى مذهب مغلق، والثاني تتعدد فيه المذاهب التي لا يهتم أصحابها إذا كانت مذاهب متعددة أو مذهباً واحداً. الأول يُتعب أصحابه، الثاني يقودهم إلى تعدد أوجه الحقيقة. بالأحرى الحقيقة عندهم متعددة بذاتها.

في العلوم الحديثة، يجري الباحث الأبحاث في مختبر ما، فيستخرج منها النظرية أو الرواية لأحداث أخرى تحدث تلقائياً، وتصل إلى النتائج المؤدى إليها في المختبر. فيقود تشابه الأسباب والأحداث والنتائج إلى القواعد النظرية. أما التاريخ، فأحداثه لا يمكن التحكم بها، وعلى المرء أن يستخرج الرؤى والنظريات من مساراتها. الماضي أحداث ليس لها مسار، وهي منقوشة في صخر الزمان. وكل حدث يفترض أن يكون قائماً بذاته. ولا روابط بين الأحداث، بما يشكّل مسارات لها، إلا في العقل أو الوعي. الوعي في الماضي هو التاريخ، أي هو ما نراه ونكتبه أو ما نتشابه به. وللتاريخ الشفهي أهمية لا تقل عن التاريخ المكتوب. إذ كل رواية شفهية تزيد أو تنقص أحداثاً، يحتاج إليها المسار بنظر صاحبه (كلما رويت)، الذي يريد أن يتطابق المسار مع رؤيته أو مشاعره، فيصادر الماضي لصالح ما يراه، أو هو بالأحرى يسقط الحاضر على الماضي بينما  العلم (الحديث) يقضي أن تدع الأمور تجري في مساراتها دون أن تدخل الذات فيها بما يؤدي إلى غياب الحدث الحقيقي وراء شرائح كثيفة من الايديولوجيا والتوهمات بما لم يحدث فعلاً إلا في الأذهان ذات الانحيازات.

التاريخ بموجب العلم الحديث يقتضي أن يكون موضوعياً في محاولة أن يكون التدخّل الذاتي أقل ما يمكن. وبالطبع لا يمكن الحؤول بالمطلق دون توحش الذات ومنعها من اقتيات فريسته. لكن السعي في سبيل ذلك، أي الموضوعية، واجب وإلا جاء العلم بالموضوع خارج ما هو حقيقي. والحقيقة في التاريخ صعبة المنال. يتطلّب الوصول إليها، بالأحرى السعي وراءها، الكثير من التساؤل، وكبح الذات، وخفض التوتر العصبي. والعصبية كما عند ابن خلدون يمكن أن تؤدي إلى خلل في النظرية والرؤية وتكديس اللاحقائق على الحقيقة. فما هو حقيقي لا يستخرج إلا من بحث تتعدّد فيه المسارات.

عندما نتحدث عن مسار الأحداث يكون الكلام عن العلاقات بينها. فكل حدث مغموس في علاقة اجتماعية، وهذه غالباً ما يفرضها أهل السلطة. ولذلك قيل التاريخ يكتبه الغالبون أو الحاكمون،  بينما الواقع بأحداثه ومساراته يصنعه الناس بما فيهم المغلوبون. في فلسطين وما حولها تكتب إسرائيل التاريخ المعاصر، لكنها لا تستطيع صنعه إلا جزئياً، وبالقسر والعنف الوحشيين. وهذا هو مأزقها. فهي بحاجة دائمة إلى دعم الامبريالية الغربية، وبخاصة الولايات المتحدة، وإلى الرأي العام العالمي الذي تراه ينقلب ضدها باستمرار، لا نتيجة ما يفعله العرب بل بسبب ارتكاباتها الإجرامية. بدليل أنها قبل حروبها الأخيرة علينا وخلالها، رأيناها موضع اتهام لدى الرأي العام العالمي بارتكاب جرائم ضد الإنسانية أو بشن حروب إبادة جماعية.

التاريخ مسارات زمانية ومكانية. غالباً ما نعتقد أن التاريخ تسلسل زمني، ونغفل أنه علاقات بين الأحداث في الأمكنة. فما يحدث في مكان ما يؤثر ويتأثر بما يحدث في الأماكن الأخرى من العالم، بالأحرى الكرة الأرضية. فإذا تحرّك جناح فراشة في بغداد يكون له أثر تصل ذبذباته إلى الصين، كما يقال بكلمات أخرى. وعندما تكتب التاريخ عن منطقة ما، لا يغيب عنك، أو لا يجوز أن يغيب عنك، الأثر أو السبب الذي يمكن أن يكون في منطقة أخرى؛ فالتاريخ بطبيعته عالمي الأثر والتأثير، كما عبّر عن ذلك جوزيف كامبل في كتابه الموسوعي عن الأديان: “العالم سمفونية واحدة تتعدد فيها الألحان”. وما أغفل مؤرخونا القدماء هذا الأمر. فيبدأ الطبري تاريخ الأمم والملوك كغيره من المؤرخين التراثيين بفصل عن الإنسان وتسلسل البشر، من عصره الحاضر آنذاك إلى أدم الذي اعتبر أصل الإنسان في كل مكان..

التاريخ العالمي أصبحت كتابته ضرورية لأسباب أقلها أن نظام العالم اليوم هو نظام عالمي. لكن العالم معولم منذ آلاف السنين. إذ تجد الحضارات تتبنى الواحدة أفكار وأساطير الآخرين. وتطلق أسماءها هي على آلهتهم، وتمارس طقوسهم وعاداتهم حتى دون الاحتلال لأرضهم.

والمفارقة عندنا أن معظم كلامنا في السياسة جيو ديبلوماسي، أي المؤثرات أو العلاقات الدولية داخل بلادنا. ومع ذلك، فقليلاً أو نادراً ما نرى كتاباً في التاريخ العالمي أو النظام العالمي مثلما كتب سمير أمين الذي كان مقيماً خارج مصر لأسباب معروفة. ولا نرى في مكتبتنا ترجمات لكتابات صادرة عن اليمين أو اليسار حول النظام العالمي، قديماً وحديثاً، كما كتب وليم ماكنيل حول صعود الغرب، أو ايمانويل واليرستين حول “النظام العالمي”. ربما أننا نتكلم عن سياستنا الداخلية بلغة جيوسياسية. بينما الوعي السائد هو الانغلاق حول الذات والخوف من العالم والعزوف عن الاندراج فيه.

إن الكتابات التاريخية مهما كانت موضوعية، لا بدّ أن تتأثر بايديولوجيا أصحابها، حتى لو كانت المقاربة جادة في حياديتها. على كل حال هناك فرق بين الحيادية والموضوعية. فهذه الأخيرة ضرورية في كل الظروف، ومن الواجب السعي إليها كي يكون البحث ذا قيمة معرفية. أما الحيادية فهي تتناقض في معظم الأحيان مع الواجبات الأخلاقية، إذ العالم الذي نعيش فيه ما زال مشبعاً بالامبريالية أو الكولونيالية. ومسارها يخضع لسلطة المال من دون أولوية للبشر في إنسانيتهم. فالربحية هي الأولوية الأولى التي تسيطر على أرباب النظام العالمي الراهن وروحه.

نحن أمة فخورة بتراثها الثقافي والأدبي، لكن التراث العلمي في الرياضيات والفلك والميكانيكا والبيولوجيا والطب، الخ… لا يقل أهمية. وما نحتاجه هو مراكز أبحاث ومراكز تفكير، كي لا يبقى الجهد فردياً، كما عند رشدي راشد الذي كتب عن الرياضيات في تاريخنا، وصالح العلي، وجواد علي، وعبد الله العروي، وعلي الوردي، وجورج صليبا.

لم يعد باستطاعتنا، مثلاً، تنمية ثقافتنا الراهنة من دون كتابة التاريخ الاقتصادي، كما يفعل أنغوس ماديسون بتكليف من المنظمة الأوروبية للتعاون  (OEC) حول التاريخ الاقتصادي لمجال الدول الغربية، وتقدير الدخل الفردي منذ مطلع الألفية الأولى بعد المسيح حتى اليوم. وقد سبق أن فعل ذلك رؤساء وزراء بريطانيون مثل وليم بيت الأب والابن في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وسبقهم في ذلك أناس من العامة. حتى اللغة عندنا ليس لها تاريخ إلا ما كتبه رمزي بعلبكي، وأتمنى أن أكون مخطئاً.

التاريخ العالمي ضروري لنا. وما هو أكثر إلحاحاً كتابة تاريخنا الكلي الذي يشمل البنى التحتية الاقتصادية والاجتماعية، وأساليب الحياة والعيش لدى الفلاحين، وأصحاب الحرف والمهن اليدوية، أو أن ذلك ممنوع علينا لأن ذلك يكشف إلى حد كبير حاضرنا وبؤسه، مما تتستّر عليه أنظمة بلادنا التي تحكم وتعتّم الرؤى التاريخية لغاية في نفس يعقوب. الأنظمة السياسية والدينية تريدنا متوقفين عند خلاف معاوية والإمام علي. لكن للدولة مهام تتعدى شؤون السلطة السياسية، وهذا ما تقمعه الأنظمة ولا تطالب به فئات المثقفين عندنا. يتطلّب التاريخ الكلي للبنى التحتية والفوقية دعم الدولة لإنشاء مراكز أبحاث يستحيل الأمر من دونها.

إن معرفة المسارات التاريخية لمجتمع يؤدي إلى معرفة هذا المجتمع لذاته، أو إلى كيف يتخيّل المجتمع ذاته. وفي كثير من الأحيان تكون الجماعة متخيلة كما قال بندكت أندرسون. المعرفة التاريخية تشكّل الخيال التاريخي حول الماضي أو ما يُسمى الذاكرة التاريخية. ولا مجتمع بدون مخيال تاريخي. ومن لا تاريخ له (إذا كان ذلك ممكناً) يخترع هذه الذاكرة. ويعيد اختراع الأمة أو المجتمع، كما كان يقول أريك هوبسباوم. فالمجتمع يحتاج إلى الماضي فيشكّل مساراته ويجعله ذاكرة، ومهمة المؤرخ هي التمييز بين الواقعي والوهمي من أحداث تاريخية. وكلما اقتربت الذاكرة التاريخية من الواقع التاريخي يصير المجتمع أكثر سلامة وانسجاماً بين أطرافه؛ وتلك عملية معقدة، وربما تعددت الذاكرة التاريخية في المجتمع، وبالتالي تتعدد الهويات، فما يوحّد بينها أو يقرّب الواحدة إلى الأخريات لدمجهم معاً ربما هو السياسة التي تفرض العيش سوية وتفترضه، وربما كان في الأمر سحب الحاضر على الماضي والتبني القسري لما تقوله.

مهما كان الأمر، لا بدّ من تجاوز الماضي أو ما يسمى التراث، ودون ذلك نكون كمن لا يستطيع صنع مستقبله. ندرس الماضي كي نتجاوزه ونصنع المستقبل ويصير عندنا تاريخ. الذاكرة الماضوية تشدنا إلى الوراء إن لم تصر ذاكرة تاريخية. فالماضي كما قلت سابقاً منقوش في صخر الزمان، والتاريخ مسار متحرّك لا يتوقف فيه التطوّر والتجاوز. الجماعات الدينية والطائفية التي ترى في الماضي، أو في فترة منه على الأقل، مثلاً أعلى تعيش من أجله أو حسب ما تتوهم أنه يكون من أجله، لا تستطيع التجاوز فتنغلق على نفسها، وتعزل نفسها عن العالم، ويصير حاضرها مأساوياً. نعاني من البؤس حين لا يكون لدينا يقين بأننا نستوعب الماضي من أجل تجاوزه، وعند ذلك يكون التاريخ عبئاً على أصحابه. والجماعات الواثقة من نفسها تمتلك القدرة على التجاوز، فتصنع المستقبل كما تقبض على الماضي، وتعيد صياغته، لا صياغة المستقبل كما الماضي، بل صياغة الماضي كما يراد أن يكون المستقبل. ودون معرفة المسارات والسياقات لا يمكن القبض عليها وتقرير كيف يراد العيش.

فمن الضروري القول مرة أخرى إن الماضي أحداث لا تتراكم وليس لها مسارات، بينما التاريخ مسارات تكون فيها الأحداث نقاطاً في سلسلة متصلة لا انقطاع في تسلسلها.

Leave a Reply